ذكرى قصف أطفال بحر البقر

49 عاما على مجزرة مدرسة بحر البقر (الجزيرة)
49 عاما على مجزرة مدرسة بحر البقر (الجزيرة)

 

كواحد من أبناء هذا الجيل، وكشاهد عيان على تلك الحادثة، أراني في هذا اليوم من كل عام وقد ناداني واجب أداء الشهادة، وتبيان الحق، وإجلاء الصورة، في زمن اختلط فيه كل شيء حتى بتنا لا نعرف العدو من الصديق، ولا الليل من النهار، ولا من أين نبدأ؟ وإلى أين يجب أن تكون وجهتنا؟!..

الثامن من أبريل/نيسان 1970 تاريخ بات محفورا في الذاكرة العربية، ومقترنا بواحدة من المذابح التي اقترفتها إسرائيل في حق أطفال أبرياء في عمر الزهور، هم أطفال "مدرسة بحر البقر الابتدائية"، التابعة لمركز الحسينية بمحافظة الشرقية بمصر، إذ قامت الطائرات الحربية بالإغارة على تلك المدرسة، وأمطرتها بوابل من الصواريخ التي أحالتها في ثوان معدودات إلى كومة من الأنقاض المشتعلة، والعظام المحترقة، وخليط من الدماء والكتب المدرسية والأقلام وملابس الأطفال، والدخان المنبعث من المكان.

وحين خفت صوت الصغار، علا صوت ذويهم وعويل أمهاتهم، وصافرات إنذار في أماكن أخرى ليست بالقريبة من قريتهم النائية!

أسفر القصف عن استشهاد نحو 30 طفلا بريئا، وإصابة العشرات بإصابات بالغة، وتشويه عدد كبير منهم.. فضلا عن تدمير مبنى المدرسة تدميرا تاما، وكذلك إلحاق الضرر الكبير ببعض المنازل المجاورة.

 

 

حين هرع الرجال من حقولهم والنساء من بيوتهن إلى المدرسة، لم يكن الجميع يعلمون أن أحلامهم التي أودعوها في طيات ملابس أبنائهم الصغار، وبين دفات دفاترهم الصغيرة، باتت جزءا من محرقة كبيرة، واستحالت بفعل الكراهية إلى دخان كثيف، كان يتبدد كلما اقترب من السماء..!

 

كان المشهد صادما مروعا عصيا على أن تصدقه تلك العيون الطيبة والقلوب البسيطة لسكان هذه القرية الوادعة!

  • تقول إحدى الأمهات: وضعت جثة ابني الممزقة في (حِجر جلابيتي)، ثم أعطيتها لأبيه كي يدفنها..!!
  • ويقول أحد الأطفال الناجين من المذبحة: حين سقط قلمي تحت المقعد، نزلت لأبحث عنه، فلم أدر إلا وأنا على سريري في المشفى، يحيط بي خلق كثيرون من رجال يبدو أنهم "مهمون جدا" غير أني لا أعرفهم..!

 

لم تكن لقرية "بحر البقر" طرق ممهدة تستطيع أن تربطها بمدينة الحسينية، التي تبعد عنها قرابة 20 كيلومترا، مما زاد من صعوبة وصول سيارات الإسعاف إلى المكان، فتشكّلت من الأهالي فرق إنقاذ سريع، وكان لكلٍ دوره حسب إمكاناته وقدراته، فتمت الاستعانة بالجرارات الزراعية التي اضطروا أن يضعوا فيها الأطفال المصابين مع أكوام جثث الذين استشهدوا منهم، وبقايا من أعضائهم البشرية وأطرافهم المبتورة..!!

في صبيحة ذلك اليوم المشؤوم وأنا أخطو الخطوات الأولى من طفولتي.. كنت قد لملمت دفاتري وأقلامي، وحزمت حقيبتي المدرسية، وقبَّلتُ يد أمي ووجهها، وخرجتُ تزفني دعواتها، وما لبثنا غير قليل حتى سمعنا الأزيز الرهيب للطائرات الحربية التي تطير على ارتفاع منخفض.. وما هي إلا لحظات حتى سمعنا أصوات انفجارات في مكان قريب، بدت أثاره على زجاج نوافذ فصولنا الدراسية..

وبعد قليل، صدرت تعليمات لنا من معلمينا ومن مدير المدرسة أن ننصرف إلى منازلنا..!!

وفي طريق عودتنا شاهدت بأم عيني تلك الجرارات الزراعية، وبعض السيارات الخاصة، وسيارات الإسعاف، تحمل جثثا لأطفال صغار، وبقايا من لحم وعظم، وأعضاء بشرية محترقة..!!

كان مشهدا مرعبا بالنسبة لي وأنا أنظر إليه وإلى الدماء التي كانت تسيل بشدة من تلك السيارات والجرارات على "الإسفلت" مشكّلة أنهارا من الدماء الغزيرة.. وأنا لا أدري ما الخطب..!!

 

لم أشعر إلا بذراع أبي الحبيب تلتقطني من هذا المشهد وتحيطني وتهدئ من روعي..

سألته وأنا أرتجف  ما الخطب يا أبتِ؟!

أجابني: الطائرات الحربية الإسرائيلية قصفت مدرسة بحر البقر الابتدائية المجاورة لمدينتنا.

سألته: لماذا؟ وما هي جريرتهم؟!

لم أتلق إجابة من شفاه أبي ولكنني قرأت الإجابة في عينيه وفي دموعه..

 

ثم تحولت مدينتنا الصغيرة الهادئة إلى بؤرة صاخبة، يتدفق إليها المراسلون الصحفيون، ووكالات الأنباء العالمية، ووسائل الإعلام المختلفة، والفنانون، والساسة الكبار، وأعضاء المنظمات الحقوقية الدولية .. فها هو محمد أنور السادات (نائب رئيس الجمهورية وقتذاك)، وهذه أم كلثوم، وتلك نجاة الصغيرة، وهذا فؤاد محيي الدين، وهذا فلان.. وذاك فلان.. !!

تساءلت لماذا كل هؤلاء المشاهير هنا والذين لا نشاهدهم إلا عبر التلفاز..؟!

ولكنني أيضا لم أتلق إجابة كاملة!!

وصرت أرقبهم عن قرب، وليس لديّ تفسير كامل لكل ما أرى.. !!

 

ومرت بعض الأعوام، ورافقني في صفوفي الدراسية بعض الأطفال الناجين من تلك المذبحة، صاروا أصدقائي، كانوا يحملون على أجسادهم سجلا لا يكذب، ولا يجيب بإجابات منقوصة، كانت التشوهات التي تركتها تلك المجزرة على أجسادهم سجلاً ودليلاً دامغا على أن الإجرام الإسرائيلي لا مبرر له ولا ضابط لحدوده..

كانت تلك التشوهات في أجسادهم تجيب بإجابات كاملة على كل تساؤلاتي القديمة..

إن تلك الطغمة الباغية ليست خطرا علينا وحدنا، بل هي خطر داهم على الإنسانية جمعاء..

إن مجزرة مدرسة بحر البقر لم تكن الأولى ولا الأخيرة، بل سبقتها ولحقتها مجازر كثيرة، تستعصي على النسيان والغفران.

وإن العدو الحقيقي لهذه الأمة هو من احتل الأرض، وصادر الأملاك، وقتل وأباد، ولا يزال يطمث هوية الأحياء والبلدات والمقدسات، ويدعي أن له حقا تاريخيا فيها (لا يدعم مزاعمه تلك بدلائل حتى بتلك الحفريات التي يجريها ليل نهار).

 

من الأهمية بمكان أن تتجدد مع كل ذكرى مؤلمة لتلك الجرائم البشعة للاحتلال الصهيوني، فكرة استحالة أن يتم استبدال العدو الحقيقي بآخر وهمي، ننشغل به عنه..

ومن الحماقة بمكان أن نطلق النار دوما على أقدامنا بدلاً من أن نستجلي بوضوح نحو أي هدف ينبغي لنا أن نسدد.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة