شعار قسم مدونات

إدلب.. الورقة السياسية الصعبة

 

إدلب المدينة الواقعة (شمال غربي) سوريا، والتي تم تحريرها عام 2015 من قوات المعارضة السورية ودحر نظام الأسد، شهدت هجمات شرسة من النظام وداعميه، حيث حاولت هذه القوات بسياسة الأرض المحروقة، قضم أجزاء كبيرة من إدلب في محاولة للقضاء على آخر معاقل المعارضة السورية؛ لكن هذه المحاولات رغم نجاح بعضها باحتلال بعض المدن والقرى والطرق الرئيسة، وتهجير مئات الآلاف وغيرهم من المهجّرين، الذين لجؤوا إليها بعد تهجيرهم من قوات النظام؛ إلا أنها فشلت بسبب التوازنات الإقليمية في المنطقة، وسنغوص معكم الآن في الصلب.

 

التنافس التركي الروسي في المنطقة

التنافس الإقليمي سيوضح لنا الوضع في إدلب، فروسيا التي بدأت التدخل في المنطقة بعد بداية الربيع العربي، وتأرجح الأنظمة، وتهديد المصالح الروسية؛ مما دفعها لدعم الأسد سياسيا مانعة تمرير عقوبات ضده، وعندما قاربت المعارضة السورية من إسقاط النظام تدخلت روسيا عسكريا بشكل مباشر للحيلولة دون سقوط حليفها، وعندما ظنت روسيا أنها حسمت الأمر في سوريا حاولت استخدام الخطة نفسها في ليبيا بعد تخليها عن نظام القذافي، وتنامي الدور الغربي بعد سقوطه. حاولت روسيا إنعاش نظام القذافي المتمثل حاليا باللواء حفتر سياسيا وعسكريا عن طريق فاغنر وبيع الأسلحة للجنرال المتقاعد، وبينما تتصاعد المعارك في العالم العربي تقرع أذربيجان طبول الحرب بعد فقدان الأمل من حل سياسي في إقليمها المحتل (قره باغ) من أرمينيا الحليفة لروسيا، وفي كل هذه النقاط الملتهبة عسكريا، كانت تركيا موجودة فهي داعمة لأذربيجان وتربطها معها روابط عرقية ومصالح اقتصادية، والتي دعمتها بتحرير الإقليم، وكان لتركيا الدور الكبير في دعم حكومة الوفاق لفك الحصار عن طرابلس، وذلك بعد إعادة ترسيم الحدود البحرية في المتوسط، فتركيا وجدت تحالفها مع الوفاق يعزز دورها في الحصول على حقوقها في المتوسط، بعد أن كادت أن تضيع تلك الحقوق بتوقيع دول منتدى غاز شرق المتوسط.

 

أما بالنسبة لإدلب فكان المشهد أكثر تعقيدا، فإدلب هي المجاورة لتركيا، وآخر مدينة سورية خارجة عن سيطرة النظام، ويقطنها ملايين السوريين المهجّرين داخليا، فكان الوجود التركي العسكري ظاهرا في إدلب بنقاط مراقبة بعد اتفاقيات خفض التصعيد، حيث أصحبت تركيا هي مراقب وضامن لوقف التصعيد في إدلب وتعليق العمليات العسكرية؛ لكن هذا ليس بدائم، فإدلب التي تعرضت ببداية عام 2020 إلى هجمة بربرية من النظام و داعميه، وضعت الأتراك أمام خيار قاس لوقف الهجمة الشرسة على إدلب بدعم الفصائل المعارضة بأسلحة نوعية بشكل غير مباشر؛ مما سبب إسقاط طائرات روسية، لتلوح أنقرة بورقة ضغط تجاه موسكو التي فهمت الرسالة، وتوقفت عند حدود الطرق الرئيسة "إم 4، إم 5" (M4, M5)، بعد التوصل لاتفاق لوقف العمليات العسكرية؛ لكن بقيت إدلب كشوكة في وجه القوات الروسية، وعلينا هنا التوقف مليا للنظر بدعم الأتراك للمعارضة السورية، فتركيا لم تقف مع حلب كما وقفت مع إدلب، فقد وضعت ثقلها لإيقاف الحرب ضد إدلب بمجموعة من الأسباب:

 

أولا: أن تركيا تريد أن تُبقي إدلب نوعا من أنواع الضغط على المشروع الروسي في سوريا، وهي المدينة الوحيدة الخارجة عن سيطرة الجيوش الموجودة في سوريا، وهي كذلك ليست مدينة تُعنى بها، فتركيا هي ضامن ومراقب لا أكثر، ويستطيع الأتراك قلب الطاولة عسكريا ضد المشروع الروسي في المنطقة بدعم فصائل المعارضة.

ثانيا: استخدم الأتراك وسائل الإعلام لتسليط الأضواء على الوضع الإنساني في إدلب، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حال استمرار الحرب.

ثالثا: الضغط على أوروبا باتخاذ موقف ضد العمليات العسكرية، وذلك من خلال ورقة اللاجئين، واحتمالية دخول ملايين السوريين إلى الأراضي التركية هربا من بريرية النظام.

تُعد هذه أهم الأسباب التي كونت قوة لإدلب، إذ إنها أصبحت العدد الثابت بمعادلة تمتلئ بالمتغيرات، وذلك بفضل سياسة أنقرة وتخبط السياسة الروسية، فإدلب هي ملجأ لملايين السوريين، وآخر قلاع الثورة السورية، والأمل المتبقي لمشروع وطني سوري، بالوقت نفسه الضامن لمشاريع أنقرة الإقليمية.

 

ما لا تحققه بالعسكرة تحققه بالسياسة

لا شك أن الثقل السياسي لا يقل عن الثقل العسكري، وفي بعض الأحيان يكون الثقل السياسي هو الأثمن، فإذا عدنا إلى المشهد الليبي، نرى تحرك حكومة الوفاق التي لا تمتلك سوى العاصمة، قد فقدت أغلب الأراضي الليبية لصالح قوات حفتر؛ لكن بفضل السياسة الذكية استطاعت هذه الحكومة بناء جسر مباشر مع أنقرة لفك الحصار عن طرابلس، الذي استمر لأشهر قدم فيه الليبيون مئات الشهداء، تكلل التواصل بالنجاح بعد أن تم إعادة رسم الحدود البحرية في المتوسط، فكان ذلك لصالح الطرفين؛ لكن ليس لصالح روسيا التي ظنت منها أن دعم الانقلابات والمستبدين يمكن أن يحقق لموسكو امتيازات في العالم العربي، فكانت المفاجأة أن قوات حفتر المدعومة من فاغنر، هُزمت على أيدي الليبيين وتم تحرير الغرب الليبي، وهكذا كانت السياسة أنجح من المدفعية، وإذا خرجنا من العالم العربي لننظر في العلاقات التركية الأوكرانية التي شهدت تقاربا كبيرا وتوقيع عدة اتفاقيات، وموقف أنقرة الرافض لضم القرم التي احتلتها روسيا، هنا تكون مواجهة أخرى بين موسكو وأنقرة في البحر الأسود، فتركيا الباحثة عن حقوقها بالبحر الأسود والمدافعة عن حقوق القبارصة الأتراك أيضا في المتوسط، لن تقبل بتسوية لثروات البحر الأسود بدون تسوية وحل الخلاف حول شبه جزيرة القرم، وهذا الأمر لن تقبل به روسيا على أي حال، هنا تصبح المعادلة أكثر صعوبة وبدون أوراق ضغط تملكها أنقرة لا يمكن لها تحقيق أهدافها؛ مما يزيد قيمة إدلب في موازين أنقرة، فإدلب اليوم أشبه بسكين حاد على خاصرة المشروع الروسي في سوريا.

 

تشارك الأهداف وتقاطع المصالح

إذا أردنا فهم التوازن الإقليمي بشكل أفضل دعونا نعود معكم إلى الخلف 3 سنوات بالتحديد، الجنوب السوري والغوطة الشرقية اللذين كانا تحت سيطرت قوات المعارضة المدعومة من السعودية وقطر ودول أخرى، كان يُطلق على الغوطة رئة دمشق، وهي تمثل مع درعا فكا لا يستهان به، يستطيع فرض السيطرة على دمشق، وإنهاء مشاريع روسيا وإيران أو بأقل تقدير إنهاء المشروع الإيراني في دمشق وإسقاط النظام؛ إلا أنه بسبب التباعد السياسي السعودي القطري صار الأمر هناك يذهب بفقدان أهم الأوراق الإقليمية، التي كان من الممكن أن تستخدمها السعودية بإضعاف النفوذ الإيراني، بما يحفظ مصالح المملكة الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بسلوك النظام الإيراني ودعمه لمليشيا الحوثي الإرهابية، وزعزعة الأمن في دول عربية منها المملكة، فما خسره العرب لن تفقده تركيا، ونحن نرى الآن كيف تدير أنقرة المشهد الإقليمي لصالحها؛ لذلك فإن التوازن الإقليمي أوجد فيما تبقى من إدلب ورقة قوية ورقما ثابتا بمعادلة متغيرة يمكن أن تثمر بحماقة روسية، فتكون هي بداية لنهاية المشروع الروسي في سوريا.

في النهاية هذه مجرد قراءة بسيطة للمشهد؛ لأننا لم نتناول الكثير من اللاعبين، لأن موضوعنا هو إدلب التي تستحق نظرة مجردة، فبقاؤها لم يكن بقوة أسلحة مقاتليها، ولو أن صمودهم أمام هذه البربرية كاف، ولكن بفضل التوازنات الإقليمية.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.