نعمل معا.. لضمان مستقبل أفضل للبشرية

 

كطفلة نشأت في ريف إنجلترا، لم أتخيل أبدا أنه سيأتي يوم أمثل فيه بلدي على الساحة الدولية، أو أنه ستتاح لي الفرصة للعيش والعمل في هذا الجزء من العالم المتنوع والغني ثقافيا وتاريخيا؛ لكن هأنذا أكتب لكم بصفتي المتحدثة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إنه لشرف كبير لي أن أقوم بدور أساسي للغاية في بناء الجسور بين الشعوب في المملكة المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبصفتي المتحدثة الرسمية، فإنني مسؤولة عن التواصل بين الحكومة البريطانية وشعوب المنطقة، وهي تجربة عميقة بالنسبة لي في أن أتواصل مع الجماهير في شتى أنحاء المنطقة على المستويين المهني والشخصي.

وفي الوقت نفسه الذي أقوم فيه بشرح سياسات وأولويات الحكومة البريطانية باللغة العربية، أجد نفسي أكثر اطلاعا على ما يفكر فيه ويشعر به مختلف الناس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشأن القضايا الرئيسة، بما في ذلك السياسة الإقليمية والدولية، والأمن والاستقرار، والتنمية والتخفيف من حدة الفقر، والتعليم، وحقوق الإنسان، والقضايا الاجتماعية والثقافية، وتغير المناخ، وكذلك جائحة فيروس كورونا التي نواجهها جميعا.

كما أرى من خلال عملي تنوعا كبيرا ضمن الجماهير العربية من حيث المواقف والخلفيات، وبالطبع لا يتفق الجميع مع سياسات المملكة المتحدة؛ لكنني رأيت كيف يتبنى الأفراد في كل من المملكة المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا القيم الإنسانية المشتركة، بما في ذلك الاحترام والتسامح والمساواة والوحدة بين الجميع. وتعد هذه القيم قيما مهمة اليوم أكثر من أي وقت مضى، خاصة في وجه التحديات المختلفة مثل الحروب والفقر والأمراض وتغير المناخ. ولن نستطيع التغلب على هذه العقبات إلا إذا عملنا معا، وقمنا بإيجاد طرق لتخطي الخلافات.

ولذلك تواصل المملكة المتحدة العمل على تعزيز ودعم هذه القيم. في ديسمبر/كانون الأول الماضي، قام رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بتعيين النائبة في البرلمان فيونا بروس مبعوثا جديدا لحرية الدين، والتي سوف تقوم بالدفاع عن حقوق المجموعات الدينية في المملكة المتحدة وعلى الصعيد الدولي.

قمنا أيضا بتأدية بدور قيادي في محاسبة الصين على انتهاكات حقوق الإنسان ضد مسلمي الإيغور والأقليات الأخرى في شينجيانغ، وهذا يتضمن جمع الدول في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان للتعبير عن قلقنا العميق المتعلق باضطهاد المسلمين في الصين.

كما تدعم المملكة المتحدة أيضا الإدماج وحق جميع الفتيات في الحصول على التعليم لمدة 12 عاما على الأقل، ولقد قمنا منذ عام 2015، بمساعدة أكثر من 8 ملايين فتاة في جميع أنحاء العالم في الحصول على تعليم لائق.

وفي العام الجاري، من المقرر أن تستضيف المملكة المتحدة القمة العالمية للتعليم من أجل حث قادة العالم على الاستثمار في إلحاق الأطفال بالمدارس كجزء من جهود التعافي من جائحة فيروس كورونا.

بالفعل، نحن نقدم فرصا تعليمية لمنح الأطفال من الفئات الضعيفة مستقبلا أكثر إشراقا في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك في سوريا ولبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة ومصر والجزائر والمغرب وتونس.

في تونس على سبيل المثال، نقوم بالاستثمار في الموارد والمرافق التعليمية لـ4 آلاف معلم، وألف طالب (50% منهم من الفتيات). وكان هؤلاء قد تركوا المدرسة ليجدوا أنفسهم دون مؤهلات لولا ذلك الدعم.

أعتقد أننا لم نشعر بأهمية المساواة من قبل كما نشعر بها الآن في مواجهة فيروس كورونا، ولا تعد الجهود الدولية المبذولة لمواجهة هذه الجائحة منافسة؛ بل هي إحدى المساعي المشتركة الأكثر إلحاحا في الوقت الحاضر، ولأنه في صالحنا جميعا التغلب على هذا الفيروس القاتل.

لقد دافعت المملكة المتحدة عن الوصول المتكافئ للقاحات للجميع منذ بداية الوباء، وتعهدت بمبلغ 1.1 مليار دولار ضمن التمويل الدولي لتطوير وتوفير اللقاحات والعلاجات والاختبارات.

ويشمل ذلك مساهمة تقدر بـ700 مليون دولار تقريبا في مبادرة "كوفاكس" (COVAX) التي ستقتني مليار جرعة من لقاح "كوفيد-19" لصالح 92 دولة نامية خلال عام 2021.

كما أننا قمنا باستضافة قمة اللقاحات العالمية التي جمعت ما يقارب 9 مليارات دولار لتحصين نصف الأطفال في جميع أنحاء العالم ضد الأمراض القاتلة.

هذه ليست مجرد أرقام، فهذه الأموال سوف تساعد على إنقاذ ملايين الأرواح حول العالم، وستحد من انتشار هذا الوباء القاتل.

إحدى الأمثلة على دعمنا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتمثل في 34.5 مليون دولار من التمويل البريطاني، الذي استفادت منه 293 ألف أسرة ضعيفة الدخل ومتضررة من فيروس كورونا في الأردن، وذلك بهدف دعم التماسك الاجتماعي بين اللاجئين والمواطنين، الذين يواجهون الصعوبات.

كما تبقى المملكة المتحدة في طليعة الجهود الدولية، التي تعمل على تأمين حلول سياسية شاملة في البلدان التي تعاني من النزاعات مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن. ويعد الإدماج مبدأ أساسيا في نهجنا المتبع لحل النزاعات، حيث إنه لتحقيق السلام المستدام لا بد أن يكون هناك أساس من التوافق بين الأطراف المتعارضة.

ويمكن رؤية هذه المقاربة على أرض الواقع في اليمن على سبيل المثال، حيث مولت المملكة المتحدة عددا من الأنشطة لبناء حوار بين اليمنيين من مختلف الأطياف السياسية والدينية والقبلية والاجتماعية في 4 محافظات يمنية.

وقمنا بالعمل أيضا مع الأمم المتحدة لتعزيز دور النساء كصانعات للسلام، بما في ذلك دعم مؤتمر للنساء "وسيطات السلام"، بمشاركة أكثر من 100 امرأة يمنية.

وفي ليبيا، قمنا بتمويل لجان بناء السلام المحلية التي تساعد على تعزيز دور النساء كوسيطات للسلام في 29 مجتمعا عبر البلد.

وأخيرا، تقود المملكة المتحدة الجهود لتوحيد البلدان في جميع أنحاء العالم في مواجهة تغير المناخ، بما في ذلك من خلال استضافة قمة تغير المناخ "كوب-26" (COP-26) في وقت لاحق من هذا العام.

لدينا مسؤولية جماعية لحماية كوكبنا من أجل الأجيال القادمة، وهذه المسؤولية تتجاوز اختلافات العرق أو الدين أو الأيديولوجية السياسية أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي. وتلتزم المملكة المتحدة بالعمل مع حكومات وشعوب المنطقة للتخفيف من التهديد الوشيك، الذي يشكله تغير المناخ على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل درجات الحرارة القصوى والجفاف وارتفاع منسوب مياه البحر وتلوث الهواء المضر.

ما تقوم به المملكة المتحدة نابع من إيمانها بأن دول وشعوب العالم مترابطة، ولا يمكن لأي منا أن يزدهر في عزلة عن الآخر. وكما يقول المثل الإنجليزي "الإنسان ليس جزيرة". ولهذا فإن الأمن والازدهار والصحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعد أمنا وازدهارا وصحة للمملكة المتحدة، والعكس صحيح.

أما على المستوى الشخصي، فقد سعيت إلى عكس القيم الأساسية المتمثلة في الاحترام والتسامح والمساواة والوحدة من خلال تعميق فهمي للغات والثقافات والديانات الغنية في العالم العربي.

سأكون دائما أجنبية؛ لكن التجارب التي عشتها -وما زلت أعيشها- مثل الانضمام إلى أصدقائي المسلمين في صيام رمضان والاحتفال بالعيد، وقضاء بعض الوقت مع السكان المحليين في جبال الأطلس، والانضمام إلى الفلسطينيين في ماراثون بيت لحم لحرية الحركة، ومشاهدة شروق الشمس في الصحراء مع البدو وزيارة المساجد المذهلة والملهمة، والمساعدة في جمع حصاد الزيتون في الضفة الغربية، وشرب الشاي مع النساء السوريات في الحمامات بدمشق، وتعلم اللغة العربية في الأردن والاستمرار في دراسة الكتابة الإسلامية والأدب والشعر العربي، كل ذلك ساعدني في التعرف على المجتمعات المتنوعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لقد مكنتني تجاربي من تسليط الضوء على العديد من الجوانب البراقة في هذه المنطقة، ولقد شعرت بتواضع شديد في كل منعطف منها نظرا للقبول الذي تلقيته من الناس الذين عاملوني لا كغريبة، ولكن كصديقة وأخت.

نحن نشهد في هذه الأوقات الصعبة تغيرات سريعة في كل من المملكة المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأتطلع إلى رؤية كيف سوف نتطور معا ونقيم تعاونا قويا لحل النزاعات الإقليمية والعالمية، وأن نساهم في خلق مرونة اقتصادية متبادلة ومزدهرة، ونبني مجتمعات متسامحة ومنفتحة، ونعالج تغير المناخ، ونتغلب على جائحة فيروس كورونا.

على الرغم من التحديات؛ لكنني أشعر بتفاؤل كبير بأن الوقت الحاضر هو لحظة ذهبية لتعزيز الشراكة بين المملكة المتحدة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي لحظة ستحدد مسار مستقبلنا المشترك.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة