رغم أنف الجسد المجروح..

 

يميل جذع النخلة حتى يتراءى للمارَّة كأنه يابس منعزل لا رجاء في استمراره في العيش، لكن ما إن نقترب منه حتى نراه محمَّلا بألذّ الثمار المتراصة الحلوة الرطبة العذبة.

وتصرخ المرأة لحظة ولادتها صرخة تكاد تعبّر عن كل جوارحها وتختزل جروحها وآهاتها وخوفها الشديد من خلاص تراه بعيد المنال، بيد أنَّها ما إن ترى عيني مولودها حتى تمتزج دموع الخوف بابتسامة مشرقة وضمّة تكاد تَلمّ شتات أنين الروح رغم أنف الجسد المجروح.

وتتزلزل الأرض من شرايينها الجوفية، وتميل حتى تكاد تقبر كل من يعيش على سطحها لتعود إلى وضعية الثبات والنبات وبسط ذراعيها، لمنح حياة جديدة لكل ذي روح وما خرج منها.

ويسبح الغواص في أعماق البحار والمحيطات متجاهلا أصواتا داخلية تذكره تارة باحتمال الغرق وتارة أخرى بإمكانية انقطاع الأوكسجين، لكنه يستمر في مواجهة كل التيارات المائية والوساوس الواهية إلى أن يعثر على أجمل ماسة مخبئة بعناية في قوقعة صغيرة مثقلة بالرمل والرماد، وما إن يحملها حتى ينسى مفهوم الزمان والمكان، ويتخيل نفسه محلِّقا بها في أجمل سماء، ومانحا إياها لأميرة من الأزمنة المنسيّة.

ويجول الطائر الصغير بين الأكوام والأشجار، وقد تحسبه تائها أو بلا مأوى، وحيدا أو وشيكة نهايته، لكنك تراه في آخر المكان يُقبل على عش سميك كثيف حمل أثاثه بين ضلوعه، وأتمّ ترميمه بمنقاره الصغير، وإذا اقتربت منه قد تكتشف -لا محالة- مناقير صغيرة أخرى تنتظر قدوم ذلك التائه الرَّزين الذي عاد للتَّو من جولة البحث عن قوت صغاره، في انتظار أن يشتد عودهم، ويصبحوا قادرين على التَّحليق في أعلى الأعالي، واكتشاف ما يزخر به هذا العالم من جمال رباني  أخّاذ.
سيحلقون في سرب واحد كأنَّهم روح واحدة فُرّقت على أجنحة عديدة.

 

انظر لذلك الحديد المنصهر، وأنصت إلى آهات ذوبانه وغرقه في الماء البارد، وشاهد تقلصه وتمدده وانسيابه واعوجاجه، ثم غب بعض الوقت وعد لورشة الحدّاد واكتشف أشكالا هندسية فتّانة من قواطيع ودرابيز وأسرّة تجعلك تتمنى لو اقتسمت معه بعض الآهات حتى تصلوا معا لبرّ الإبداع.

والسَّماء كم تُبهرنا بصفائها ونقائها ولونها الأزرق الدافئ الذي تُحسه كغطاء لروحك وكمأمن لوجودك، لكنها لن تُمطر إلا إذا اسودّت واكفهرّت واقتربت الغيوم من بعضها، واختفت الشمس بين ثنايا ضبابها، وستُمطر بردا ورعدا وزمهريرا وثلجا، ولولا ذلك لما نبت الزرع ومُلئت الأنهار وتفتحت الزهور وجالت أسراب النحل بين رحيقها المعسول لضمان حياة جديدة وشفاء تام من أشد الأسقام.

 

وتقطع ثمرة الزيتون أشواطا طويلة بدءا من زرعها وسقيها، مرورا بقطفها وتوزيعها، ووصولا إلى مرحلة العصر، حيث ترى الحبَّات السوداء تدور في متاهة الفناء، يتلاشى جلدها وتتبعثر عظامها ويكاد ينعدم وجودها، إلى أن تراها تخرج في الضفة الأخرى على شكل زيت لامع عديدة منافعه واستعمالاته.

هي شجرة مباركة تُكرّس معنى الإيثار وترمز للسلام، هي شجرة تحتفظ برداء أخضر يضمن كبريائها، رغم أنف الخريف والمطر، هي تجسيد لمعنى الحياة التي لا تحلو إيقاعاتها إلا بوجود نور رباني يحتويها وينور سراديبها ويفتح أبوابها الموصدة بمعجزاته ولطفه الخفي.

 

هي إذن حياة لا تحلو إلا بمرارتها وعلقمها، ولا تمضي إلا إذا قرّرنا الدَّوس على أشواكها، بل واقتلاعها وزرع الورود البهية بدلا منها.

هي حياة قد يشتد عويلها وتحسّها اسودت وحَنِقت وتقوقعت عليك حد الاختناق، وجارت على ضعفك حد اليأس، هي حياة بأنياب حادة وشمس مشرقة، بأحلام وردية وواقع ممزق، لكنها في الآن نفسه قادرة على أن تكرمك يوما ببلسم شاف يضمد جراح الأمس، وينبئ بغد أفضل.

هو إذن اختيار بين دربين، أولهما طويل وشائك، مجهول ومصفد بمغامرات مكلّفة، لكنه يخفي بين طياته العديد من المنح، وثانيهما منبسط لا منعرجات ولا شوك في مساره، إلا أنه في حد ذاته محنة، كيف لا وهو يهديك شيخوخة قبل الأوان أو موتا وجوديا بسكرات ضاحكة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة