آه.. من دنف الذكريات

 

كلما أقول تناسى يا رجل ودع التذمر، ينبش ولدي حديث القهر وقديمه، سره وعلانيته، ليتهم يتناسون فيرحمون؛ لكنهم صغار لا يعلمون.

ليت الإنسان بلا ذاكرة، ليته يهزم كل هاتف حزين، ليته يفلح في أن يكنس كل خيبات السنين، ليته يعفي أطلال الحنين، ليته يرفق بنفسه هذا المسكين.

– ألا تكف عن التأفف صباح مساء؟
– أواه يا أم باسل من لواعج القلب أواه.
– أتظن نفسك وحيدا في هذا المخيم؟ أترى فرقا بين خيمة وأخرى؟ أترى لاجئا ينماز عن الآخرين؟

كلهم سواء إلا في التعامل مع ظروفهم. هذه حياتنا يا أبا باسل؛ إما أن نعيشها بعقولنا، وإما أن نعيشها بقلوبنا، فلا متسع للقلب والعقل معا في هذا المخيم.

أحاول أن أستجيب لخطاب العقل، رغم أن الواقع لا عقل له؛ لكنني أجابه بفوضى جارفة، فوضى تفوق كل ما يلقيه أهل الصفيح فوق صفيحهم، لم أعهد نفسي ضعيفا ولكن.

لاجئ، كلمة انطبعت بالخضوع والإهانة، فماذا يعني أن نضطر إلى مغادرة بلادنا رغما وخوفا، لنستقر في مواجهة الجوع قهرا وذلا؟

أنهرب من المدافع لنلقى بالجوع المصارع؟

– كيف سأواجه باسلا بطموحاته؟
ماذا أفعل بتعهدي لزيد أن أشتري له دراجة؟
إلى متى أبقى هاربا من نظرات سلمى، وهي تنتظر مكافأة لصومها؟
إلى متى أصم أذني عن صرخات صغيرتنا هند، وهي تتقطع من الجوع والمرض؟
كيف يمكنني أن أجعلهم يستوعبون فكرة الحرب واللجوء إذا لم أستوعبها أنا؟

– هون عليك يا عزيزي؛ فلست وحدك من يقاسي ذلك.
– هذا ما يسليني؛ لكنه لا يرفع المسؤولية عني.

– آه يا عزيزتي، حينما أتذكر كيف كان بيتنا عامرا بالفرح والمسرات، وأرى ذلك المخيم الذي يتدافع بالمنغصات، أشعر بقهر يقصلني، ألم تري كيف انسابت دموعنا حينما جاءنا الطعام وقد كنا نقدمه من قبل؟ آه من دنف الذكريات.
– لن يطول الأمر، ثق بربك.

دائما ما كانت تنتصر على نفسها، فتارة تعد سلمى بحذاء جديد، وتارة تكافئ زيدا على اجتهاده، وأخرى تمرض هند، وأخرى توبخ زيدا قائلة اسمع أيها المدلل، سأخيط لك ثيابك، وستذهب بها إلى المدرسة رغم أنفك، من أين سآتي لك بثوب جديد؟ كفاك دلعا لقد كبرت على ذلك، انصرف عني الآن هيا.

أهذه الرهيفة السحساحة التي تزوجتها؟ موجع حقا أن يجبرك الواقع على أن تستبدل برقتك خشونة، وأخرى، وأخرى، لقد كانت تصر على أن تحاكم رجولتي بدون أن تشعر، قوتها تربكني حقا، لا أدري من أين تأتي بكل هذه القوة؟ أمر ما في قوتها يجعل الأمر مشوشا لدي.

أثقل ما في هذا المخيم أن العمر لا وزن له هنا؛ فالشيخ والطفل كلاهما يكسران أنفسهما ليؤمنا قليلا من تلك الحياة الكئيدة، أطفال في ميعة حياتهم يشيخون مبكرا، ترى أكثرهم وقد أجبرته صوارف الدهر على أن يترك المدرسة رغم تعلقه بها؛ ليعمل مقابل أجر حقير، قاس أنت أيها المخيم.

– حتام ستبقى وأحزانك معتكفين؟ ألم يكفك الذي حصل بابنك حتى تصحو؟ اليوم كسرت يده، ولا ندري ما الذي سيحدث له من بعد.
– باسل يا بني، كفاك عنادا، مكانك المدرسة لا العمل. التحق بمدرستك وأنا سأتكفل بالعمل.
– ماذا؟ أنت يا أبي تجر عربة؟ أنت يا أبي تتعرض لازورار الناس؟ لا يا أبي لا، لا أرضى لك ذلك.
– في الحقيقة أني قد سئمت العمل المكتبي؛ لذا سأترك لك إدارة شركاتي.
– ههه، لكن حقا لا يليق بك هذا العمل.
– ومن يتحدث عن اللياقة في هذا المكان؟
اكتشفت في يوم النتائج أنه قد ترك المدرسة، الأطفال يأتون إلى أبيهم بشهاداتهم، وهو يأتيني من العمل بلباسه المبلل يرتعش بردا، تكفيني منه شهادة الرجولة.

كم أشفق على نفسي، فأنا قيم هذه العائلة، وتراني لا أحسن القيام على نفسي فضلا عن القيام بعائلتي، فيكفيني قهرا أن أعجز عن تقديم أزهد مقومات الحياة لفلذات كبدي في آكد حاجتهم إليها، فأبقى أمارس الصم والبكم والعمى.
وأشفق على هذه المسكينة، فكم تحاول أن تتظاهر بالقوة؛ لكنها تستسلم دائما إلى جبلتها، فكم ينخر بها الحنين، ويستبد بها الأنين. أما سلمى فما يدريها حينما أرادت أن تترك المدرسة، وتعمل مثل إخوتها، أنها قد ألهبت قلب أمها؟

في كل يوم أرقب الذاهبين والآتين في ذلكم المخيم، فأراهم كالسكارى؛ يكاد الواحد منهم يسقط جوعا، إلى متى سنبقى تحت رحمة المنظمات الدولية؟ في الشتاء ترى أعمدة الخيمة تتمايل كراقصة ثملة تستقر في أحضان المياه، وفي الصيف ترى الهواء يتسلل للخيمة على استحياء.

لاجئ، يرتبط ذهنك بالخوف والتشريد، تحسب كل شيء عليك، أذكر ذات ليلة أن الأولاد قد هرعوا إلى أحضاننا لحظة سماعهم صوت الألعاب النارية، أحقير ما عشش في قلوبهم من قصف ورعب؟

لاجئ، ترى بنات وطنك وقد أصبحن سلعا لعسس الذئب دون أن تحرك ساكنا.
لاجئ، مادة زخمة للمصورين، وشهية للمحللين، وتجارة نافقة لمرشحي الانتخابات، ومضمار رحيب لتنافس الشعارات.

– أبشر يا أبا باسل أبشر.
– ما الأمر؟
وصلت (الهناجر)، منذ اليوم سنفارق الخيام إلى الأبد.
– نعم سنفارق الخيام، ونجدد بيعتنا للآلام.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة