بالورود والزغاريد.. فلسطين تودّع شهداءها

لم تمنع الأمطار وبرودة الطقس الشديدة في محافظة الخليل جنوب الضفة الغربية، بعد صلاة ظهر اليوم السبت، عشرات آلاف الفلسطينيين من تشييع جثامين 17 شهيدا فلسطينيا سلمتها سلطات الاحتلال لذويهم أمس الجمعة.

 

يحمله رفاقه على أكتافهم مكبّرين، والنسوة حول أمّه، هذه تزغرد وهذه ترشه بالورود، وأخرى تلقي الحلوى عليه وعلى الرفاق، وموسيقى النشيد تصدح في بيته المملوء بالمهنئين:

رجع الخي يا عين لا تدمعيلو..

رجع الخي يا يمّا زغرتيلو.. هالشهيد دماتو دين علينا

مشهدٌ لطالما رأيناه في بيوت الشهداء الفلسطينيين، للوهلة الأولى ستظنّه حفل زفاف، إلا أنّ الحقيقة تنبئك أنّه وداع شهيد. هكذا حوّلت الموروثات الثقافية الفلسطينية لوداع الشهداء بيوت العزاء إلى بيوت زفاف.

جانب من وداع أحد الشهداء في مدينة غزة

ليلٌ ورائحة عطر 

الحاجّة أم يحيى قنديل تصف مشهد وداع ابنها محمد الذي استشهد بعد الانتفاضة الأولى، حيث لا جنازات ولا مراسم زفاف ولا ورود تتساقط على الشهداء كما يزف الشهداء الآن، قائلة: "دخلتُ المقبرة ليلاً مع والده واثنين من أقاربنا، ووجدتُ فيها عددا من الجنود يحيطون جسد ابني البارد الذي ينتظر قبلة الوداع الأخيرة. الليل ورائحة المسك، هذا ما تبقّى من ذلك المشهد"، وتكمل: "بوّسته وقلت: الله يسهل عليك يمّا، وصبرت ولم أبكِ، لأنّ محمد في مكان أفضل من مكاننا".

وتصف بيت العزاء: "والله كان بيتنا فرح مش عزا، وفي ساعات النهار صوت الأناشيد يصدح"، مضيفةً أنّ ابنها رفع رأسها عاليا باستشهاده حتى جاءتها أفواج المهنئين.

وتقول أم يحيى: "أكاليل الورد منذ يوم استشهاده ولسنوات طويلة وأنا أحتفظ فيها"، وتكمل أنها ازدادت يقينا برحيل المحتل، فكل ظالمٍ وله نهاية.

تاريخٌ وبداية ورسالة

أكّد رئيس الاتحاد العام للمراكز الثقافية في فلسطين يسري درويش أنّه منذ تعرض فلسطين للانتداب البريطاني عام 1920، واعتماده من قبل عصبة الأمم عام 1922، قامت بريطانيا بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين وسمحت لهم بتشكيل العصابات المسلّحة وعرفت بالعصابات الصهيونية الثلاث، حيث ارتكبت العديد من المجازر؛ ممّا دفع الفلسطينيين للدفاع عن وطنهم، وانطلقت العديد من الثورات، وكان أشدّها ثورة البراق التي استشهد فيها العديد من الشهداء، أبرزهم الشهداء الثلاثة: محمد حجازي، ومحمد جمجوم، وعطا الزير، وقد انتفض الشعب الفلسطيني وعمّ الإضراب كلّ فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ اعتمد الفلسطينيون تشييع شهدائهم بالورود وبإطلاق الزغاريد.

وأضاف قائلا: "إنّ فقدان أحد أفراد العائلة يعتبر من أكبر المصائب التي يتعرض لها الإنسان، ولكن أسر الشهداء قاومت هذه الفكرة وحولتها إلى يوم فخر وعز، لذلك نرى أنّ زوجة الشهيد وأخته وبنته يطلقنّ الزغاريد".

ونبّه درويش إلى أنّ الحشود الكبيرة في تشييع الشهداء تظهر تمسّك الشعب الفلسطيني وكلّ أطيافه بطريق النضال والكفاح والمقاومة، وهي رسالة دعم ومواساة لأسر الشهداء وتأكيد على شرعية المقاومة، وفي المقابل تمثل رسالة للعدو بأنّ الشعب الفلسطيني لا يستسلم مهما تعرض للقتل والتشريد.

إيمانٌ لا يتزعزع

ويودع ذوو الشهداء أبناءهم بمراسم الوداع كما العادة، لكن في بعض الأحيان تتغير تلك المراسم بحسب وصية الشهيد قبل استشهاده، كما حدّثنا رشدي اشتيوي والد الشهيد حمزة اشتيوي عن وصية ابنه قبل استشهاده، قائلا له: "يابا إذا أنا استشهدت أمانة توزع حلو وورود عليا". ويكمل حديثه بغصةٍ عن وداعه ابنه البكر بالبكاء وتألمه عند رؤيته شهيدا يُزَف بالورود بينما كان يحلم أن يراه عريساً يزفّ إلى زوجته، ويضيف:

إنه ابتلاء من الله وعلينا الصبر وهذا ما يثلج صدورنا.

وحدثتنا أم حمزة شتيوي واصفة مشهد وداع حمزة: "لو أنا زوجتو ما كانت زفيتو هيك"، مشيرة إلى المشهد المهيب الذي زفّ به ابنها.

وواصلت حديثها الذي تخللته الدموع بأنّها كانت تتعجب من صبر أمهات الشهداء عند رؤية عزيمتهنّ وشجاعتهنّ، لكن بعد خوضها التجربة ربط الله على قلبها بالصبر وعدم البكاء أثناء وداع ابنها، مضيفة:

إنّها قوة الإيمان التي يزرعها الله في قلوب أمهات الشهداء

ليواجهنّ بها المحتل.

 

"بين غزة والضفة زغرتولو"، قالتها ناهد عصيدة، النابلسية الأصل، زوجة الشهيد مازن فقهاء، طالبةً من النسوة في بيتها أن يزغردنّ لزوجها الشهيد، وتقول: "أنا دائما أشجع الزغاريد ببيت عزاء الشهداء، لأنها فعلا ترفع الروح المعنوية لأهل الشهيد وتثبتهم".

وأشارت ناهد إلى أنّ عادات وداع الشهداء في غزة مقارنةً بنابلس أعظم وأجمل، ففي نابلس يودّع الشهداء وداعا عاديا بسبب إجراءات الاحتلال، أمّا في غزة فالجنازة مهيبة، حيث الورود التي ترش على الشهيد والزغاريد والتكبيرات والتأبين الذي يقام في ثالث أيام العزاء، "كلّ هذا له أثر عظيم في قلوب أهل الشهيد".

أمّا عن الرسالة التي تريد ناهد إيصالها عن الشهداء وما دفعوه من دمائهم وأعمارهم من أجل قضية كبرى، فتقول: "نحن فخورون بتضحياتهم، لذلك نودّعهم بالورود والزغاريد والتكبيرات، فمن خلال ذلك نحن نمجدهم، ونخلّد ذكراهم بيننا".

وتكمل:

إنّ الشهادة تتميز على أرض فلسطين مقارنةً بالبلاد الأخرى؛

لارتباطها بأرض مباركة طاهرة، فهي أرض رباطٍ إلى يوم الدين.

تمر السنون على أرض فلسطين عجافا برحيل قوافل الشهداء، لكنّها تبقى الأجمل في وداعها لأبنائها، تحنو عليهم، وتضمهم بترابها وهي تردد تلك الكلمات لأجيالٍ تعقبها أجيال:

غطوا الشهيد بعلم..

خلوا الوجه مكشوف..

وجهوا ورد محلاه قبل الفجر مقطوف ..

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة