الربيع العربي والثورات المضادّة والتطبيع

 

من خصائص نظم الاستبداد أنها لا تصطفي إلا الأسفل والأوضع كي تجعل لهم الصدارة والوجاهة، فلا حظ لذوي الكرامة والضمائر الحية في الصعود في ظل أي منظومة استبدادية. وكلما تفوق المرء على نفسه في السفالة والانحطاط، كلما ارتفعت أسهمه لدى المستبد وأعوانه.

وهكذا، حين يتجذر الاستبداد ويستفحل أمره، يصبح سفلة القوم وأراذل الناس المتسيدين والمتمجدين، ويصير الشرفاء وأصحاب السؤدد الحقيقي موضع اضطهاد وتضييق واحتقار، فهم بين اغتيال معنوي أو تصفية جسدية أو قطع للأرزاق أو تقلب في دنيا الله الواسعة بعيدا عن الأوطان.

ما خدم الإمبريالية والمشاريع التوسعية الاستغلالية مثلما خدمتها تلك الأنظمة الاستبدادية المافيوية. من سورية إلى لبنان فالعراق ومصر وغيرهم، نكب أغلب العرب بتسيد سفلة القوم، وبتحكم رعاعهم، وبتسلط الحثالات على رقاب أولي السؤدد والشرف والسيادة. فلا غرابة إن أصبحت زيمبابوي أكثر رقيا من الشام وبلاد الرافدين ووادي النيل.

 

الشعار الكاذب

تحت شعار القومية العربية وتحرير فلسطين ومقاومة الكيان الصهيوني، قامت أنظمة عسكرية في العواصم التاريخية العربية. قادت الانقلابات العسكرية هذه الأنظمة إلى مواقع السلطة المطلقة، فتحولت المملكات إلى جمهوريات استبدادية يتولى أمرها العسكر، يقتلون، يرفعون. فما كانت النتيجة بعد عقود وعقود من حكم العسكر في دمشق وبغداد والقاهرة؟

لم تتحرر فلسطين، وازداد الكيان الصهيوني قوة ونفوذا وجبروتا، وأخذ يتوسع في عمق الدول العربية، ويتغلغل إلى صميمها عبر اتفاقيات التطبيع، التي جاءت لتكرس استسلام العرب وتخليهم عن القضية الفلسطينية، أقدس قضاياهم وأحقها وأكثرها رمزية وثورية.

والجيوش العربية قاطبة أصبح سلاحها مشهورا في وجه شعوبها في الداخل العربي. وقوتها على المواطن العربي المسحوق وليست له. وشغلها الشاغل التوطيد لأنظمة الاستبداد العسكرية واستتباب الأمر لها. وفجأة صار طي النسيان شعار تحرير فلسطين ومقاومة العدو الصهيوني، ولم يعد ضباط الجيوش العربية يخجلون من الهزائم المتوالية أمام العدو الصهيوني الألد.

 

اليساريون والقوميون العرب

جاء الربيع العربي ليعري النخب اليسارية والقومية العربية، التي تحالف جزء كبير منها مع الأنظمة الاستبدادية، مشكلا جبهة الثورة المضادة، التي عملت على إجهاض ثورات الربيع العربي، بما هي حركات مشروعة ومحقة تهدف إلى رفع نيران الاستبداد عن كواهل الشعوب العربية، وإلى إنشاء أنظمة ديمقراطية عادلة تصان فيها كرامة المواطن، وتحفظ فيها حقوقه، وتضمن له الوسائل الضرورية لتحصيل رزقه بشرف، بدون منة أو فضل من أحد.

لم يتوان كثير من اليساريين ومن القوميين العرب (من التيارات الناصرية بشكل رئيس) عن التحالف مع أنظمة الطغيان الطائفية، التي تقتل شعوبها في سوريا والعراق ولبنان. وبلغت المهزلة مبلغا صار فيه من الممكن لنا أن نرى تحالف أحزاب علمانية يسارية، مثل الحزب الشيوعي اللبناني، مع أحزاب طائفية محض، مثل حزب الله المؤتمر بأمر الولي الفقيه في إيران.

لم يتورع الكثير من العلمانيين، من يساريين وقوميين عرب وقوميين سوريين وبعثيين، من الانضواء تحت رايات الأنظمة المستبدة التي تقتل شعوبها، وتسفك دماءهم وتجوعهم وتذلهم وتضطهدهم وتسجنهم وتعذبهم. تحت شعارات واهية أوهن من بيت العنكبوت سارت أفواج من مثقفي اليسار والناصرية في ركاب ما اصطلح على تسميته "محور الممانعة"، الذي يشمل نظام الولي الفقيه في إيران، ومليشيات الشيعة في العراق، والنظام الأسدي في سورية، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن. إنهم علمانيون صاروا على درجة من الجنون والهذيان سمحت لهم بنقض العلمانية من أسسها عبر تأييدهم أنظمة وأحزاب طائفية متطرفة تحترف الإجرام واللصوصية والإفساد في الأرض.

 

التطبيع في سياق الثورة المضادة

من الأمور التي طبعت عام 2020، عدا عن وباء كورونا شاغل الدنيا وجاعل عاليها سافلها، كان تهافت الدول العربية على عقد اتفاقات سلام مع الكيان الصهيوني والذهاب بعيدا في سياسة التطبيع السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. وقد قامت التحليلات والاجتهادات لفهم دوافع وأسباب وحيثيات هذا التطبيع المفاجئ والمباغت والناقض لأسس التعاون والتنسيق العربي، والمعترف بالكيان الصهيوني اعترافا مهينا ومذلا، رغم جرائمه التي لا تتوقف منذ ما قبل تأسيس كيانه وحتى اليوم. فكيف يمكن لنا تفسير تطور بهذا الحجم؟

في الواقع، إن التطبيع مع إسرائيل لا يمكن لنا أن نفهمه إلا في سياق الثورة المضادة التي قامت ضد الربيع العربي. لقد لجأت أنظمة الاستبداد والطغيان والإجرام العربية إلى الغرب والصهاينة لتأمين استمرارها وديمومتها. فاتفاقيات السلام والتطبيع بين الدول العربية وإسرائيل ليست إلا التقاء مصالح توج بالتحالف بين الكيان الصهيوني العنصري وبين الأنظمة الاستبدادية العربية. والضحية الأكبر في هذا التحالف هم الشعوب العربية بمختلف أطيافهم وطوائفهم.

لقد عقدت النخب الحاكمة في الإمارات والمغرب والبحرين اتفاقيات صلح وسلام وتطبيع مع الكيان الصهيوني العدو التاريخي لكل العرب. فهذه الاتفاقيات هي في صميمها تآمر وصفقات فيما بين أعداء الشعوب العربية التواقة للحرية والعدالة والديمقراطية. وليس هناك للشعوب العربية من عدو عداوته ألد من الأنظمة الدكتاتورية والكيان الصهيوني.

لقد جاء الربيع العربي ليهدد مصالح كل من الأنظمة الاستبدادية والكيان الصهيوني والغرب الطامع بالنفوذ وبالثروات في المنطقة العربية. ليس من مصلحة أي طرف من هؤلاء الأطراف الثلاثة أن يثمر الربيع العربي عدالة وديمقراطية وإصلاحا في حال الدول العربية، وإن ازدهار الدول العربية لا يخدم مآرب الحكام المستبدين ولا مآرب الصهيونية والغرب؛ لذلك جاء التطبيع ليشكل قوة إضافية لمحاربة الربيع العربي وأهدافه ولضرب كل المؤمنين به والمناضلين في سبيله.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة