أين يقف العرب في حرب الدولار واليوان؟

 

بعد انتصار الحلفاء على المحور في الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تراجعت القوى العظمى القديمة، وصعدت في المقابل قوتان عظمتان هما الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، ومع ذلك كان للدول المنتصرة دور في قيادة العالم وتقاسمه بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، والذي على أساسه تم تأسيس منظمة الأمم المتحدة والمجلس التنفيذي المتمثل في مجلس الأمن المتقاسم بين الكتلتين، لكن أميركا وقبل انتهاء الحرب بدأت تعمل على تشكيل نظام عالمي جديد يتضمن نظاما اقتصاديا يكون لها الدور الأكبر في توجيهه، ويكون الدولار فيه عملة التعامل الموحدة للتجارة البينية في العالم، وتم ذلك بالفعل عن طريق اتفاقية بريتون وودز (Bretton Woods) سنة 1944، فبحضور 44 دولة تم توقيع عدد كبير من الاتفاقيات تنظم التجارة الدولية، وخلال ذلك اعتُمد الدولار رسميا مرجعا رئيسا لتحديد سعر عملات الدول الأخرى، ما يعني أن السياسة النقدية الدولية تشكلت من خلال هذه الاتفاقية، وشكلت بالنتيجة القواعد الحاكمة لعمل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين كانا أحد المخرجات بالتبعية لهذه الاتفاقية، وهيمن الدولار على تعاملات أهم 44 دولة حينها؛ لكن الحكاية لم تنته كما لا تنتهي طموحات الأميركيين، فبما أن أميركا كانت تمتلك 75% من ذهب العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ما يعني أن الدولار هو العملة الوحيدة المُغطاة بالذهب حينها، فإن عددا كبيرا من دول العالم ذهبت إلى تكديس الدولارات طمعا في استبدالها بالذهب مستقبلا؛ لكن الخدعة الكبرى حدثت بعد أن تمكن الدولار بالفعل من خزائن العالم كاحتياطي نقدي، ليعلن الرئيس الأميركي نيلسون في 1973 إلغاء التزام أميركا بتحويل الدولار إلى الذهب عند الطلب، وهو ما عرف حيناها بـ"صدمة نيكسون" (Nixon Shoc)، ولم تستطع الدول الانفكاك من هذه الخدعة بعد أن كدست كميات مهولة من الدولار، الذي كان يطبع على مر السنين لسد حاجة الدول إليه بدون النظر إلى الاحتياطي اللازم توفيره مقابل كل ورقة تطبع، فأصبحت الدول مجبرة بعد خدعة نيكسون على التعامل بالدولار، وساعد في قبول الأمر الواقع وجود الأساطيل الأميركية أمام شواطئ الدول، وتمركز قواعدها في النقاط الإستراتيجية لمرور التجارة العالمية، وهكذا تحقق للمارد الأخضر (الدولار) السيطرة على الاقتصاد العالمي.

 

صعود التنين الصيني

مع مطلع عام 1978 شرعت الصين في تطبيق سياسة الانفتاح والإصلاح الاقتصادي، ما دفع اقتصادها إلى تحقيق معدلات نمو قدرت بـ10% سنويا، واستطاعت الصين من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي أن تحقق أكبر نسبة تصدير للمنتجات التكنولوجية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، خلال 30 سنة الماضية، ما حقق فائضا تجاريا يفوق 100 مليار دولار أميركي، متقاربة مع الولايات المتحدة التي حققت ما يقرب من 200 مليار دولار، في الفترة ما بعد 2005، وتعد الصين حاليا أكبر سوق هواتف محمولة في العالم، وثاني أكبر سوق لأجهزة الحاسوب المحمول، ومن أكبر الدول المنتجة للصلب والفحم والأسمنت والحبوب واللحوم والقطن، ما وضع الصين في دائرة أكبر المصدرين في العالم خلال الفترة الماضية، وسبقت كندا كأكبر مورد للولايات المتحدة الأميركية نفسها.

استفادت الصين خلال هذا المشوار الناجح من انخفاض سعر اليوان (العملة المحلية الصينية) مقابل الدولار، ما شجع المستورد بشكل كبير لاستيراد المنتج الصيني مقابل المنتج الأميركي أو الأوروبي، ولم تفلح سياسات منع الإغراق في وقف تدفق السلع الصينية إلى الأسواق العالمية، ما مكنها من أن تراكم ثروات سيادية هائلة استطاعت بها أن تحتل نادي الدول الدائنة للعديد من الحكومات، ووفق مجلة "إيكونوميست" (Economist) بلغ مجموع القروض التي قدمتها الصين أكثر من 700 مليار دولار؛ مما يجعلها أكبر دائن رسمي في العالم، ومن ثم تزاحم أميركا التي تنشر أساطيلها في العالم في نفوذها.

خطة الصين للخلاص من الدولار

وفي سياق خطة الصين لمزاحمة الدولار وصولا للخلاص منه، تحاول الصين ضرب الدولار الأميركي من خلال لجوء بنك الشعب الصيني إلى شراء ما قيمته 100 مليار دولار من الذهب في إطار الحرب التجارية مع أميركا من جهة، والتحالف مع روسيا وبعض الدول من أجل إقامة نظام مالي جديد ينهي هيمنة الدولار الأميركي من جهة أخرى.

وتسعى الصين خلال 5 سنوات أن يتصدر اليوان قائمة العملات العالمية، ويتم تنفيذ خطتها من خلال تنفيذ إستراتيجيتها لتوفير غطاء من المعادن الثمينة كغطاء لعملتها، لإعطاء مزيد من الثقة في التعامل عليها، ومن ثم تعزيز خطتها المتأنية لإضعاف الدولار الأميركي، وبالنتيجة إنهاء سيطرة الدولار على النظام المصرفي العالمي، ووفق التقارير فإن حجم الاحتياطي الصيني من الذهب يصل إلى حوالي 1885 طنا مما يضعها في المرتبة السابعة، كما أن تبني سياسة القروض سواء من خلال مشروعها الإستراتيجي "الحزام والطريق"، وهو المشروع الذي يراه المراقبون مشروعا لحزم الدول الداخلة في المشروع بحزام الديون، أو الاستثمار المعجز بتملك مفاصل الاقتصاد في تلك الدول، فالمشروعات التي يتم الإقراض فيها، من غير تلك الشروط التعجيزية التي تطلبها أميركا أو بنكها الدولي وصندوقها الدولي للنقد، دائما ما تكون إستراتيجية كالموانئ ومد خطوط السكك الحديدة أو صناعات إستراتيجية في تلك الدول، ما يجعلها أكثر نفوذا في الدول المقترضة، ومن ثم تتمكن من هدفها المأمول بإزاحة الدولار لصالح اليوان بعد فرض شروطها في تلك العقود.

وفي هذا السياق، أنشأت الصين عملة إلكترونية (اليوان الرقمي) لتناطح بها الدولار في شرق آسيا، في وقت كانت فيه أميركا مشغولة بأولويات الرئيس الأميركي ترامب، ويرى المحللون أن ترامب صنع فرصة ذهبية للصين لتخطو خطوة نحو هدفها، وهو ما حدث بالفعل في شرق آسيا، وعلى الرغم من أن ترامب أصدر أمرا تنفيذيا يحظر 8 تطبيقات برمجية صينية، وهي تلك التطبيقات التي يتداول من خلالها المتعاملون العملة الإلكترونية الصينية؛ إلا أن خروج ترامب من الغيبوبة جاء متأخرا، حيث ما يزال التعامل مع العملة الصينية الإلكترونية في ازدياد، ووفق تقارير، فإن حجم التعامل بالعملة الجديدة يتجاوز 42 تريليون دولار سنويا في الصين فقط، وهو ما يقرب من 150 ضعف حجم المعاملات الأميركية على تطبيقات تداول الأموال في أميركا، وتطمح الصين أن تطير بتلك التطبيقات التي يتم التعامل من خلالها على العملة الإلكترونية الجديدة من نطاقها في جنوب شرق آسيا إلى كل العالم.

 

علاقات الصين التجارية بالعرب

في عام 1956 انطلقت العلاقات الصينية العربية التجارية بتأسيس مكتب بعثة تجارية صينية في القاهرة وتلتها عدة دول عربية أخرى؛ لتطوير العلاقات التجارية بين العرب والصين إلى مستوى تصفه بالشراكة الإستراتيجية، ومع تطور العلاقات أخذ حجم التبادل التجاري بينهما يزداد بوتيرة سريعة، حيث تراوح بين 80 و90 مليون دولار أميركي في الفترة الممتدة بين 1967-1968، ليصل إلى ما يقارب 232 مليون دولار عام 1969، ثم يقفز إلى حدود مليار دولار عام 1978. وهو ما يعكس حالة الإصرار لدى الصين لتثبيت أقدامها في هذه البقعة الجغرافية المهمة في العالم وخزان النفط الذي تفتقر إليه، ومع انطلاق سياسة الانفتاح في الصين، سعت الصين إلى الدفع نحو مزيد من التعاون التجاري مع الدول العربية ليصل حجم التبادل التجاري إلى 133 مليار دولار سنة 2008، ويتضاعف لأكثر من 9 أضعافه خلال السنوات العشر التالية، ومع طرح مبادرة "الحزام والطريق" انضمت 18 دولة عربية إلى المبادرة، ما عزز الوجود الصيني التجاري في الوطن العربي، مع ذلك لم يسحب الميزان التجاري بينها وبين الدول العربية إلى التبادل بغير الدولار في جميع الأحوال؛ لكن أحدا لا يعرف ما يمكن أن يحدث بعد الانتهاء من مبادرة الحزام والطريق، ولعل الصين تبدأ بالتوسع مستخدمة عملتها الإلكترونية، ومن ثم تدفع الدولار كما تحاول في شرق آسيا.

أين يقف العرب في حرب الدولار واليوان؟

هذه الخريطة المبسطة للعلاقات التجارية بين الصين والدول العربية، يمكن أن تضع تصورا للمربع، الذي يمكن أن يقف فيه العرب في حرب الدولار واليوان، فما يميز العلاقات التجارية بين الدول العربية والصين أنها تقوم على أساس الجمع بين الميزات النسبية والمنفعة المتبادلة، وعلى الرغم من النمو السريع للاقتصاد الصيني إلا أن احتياجها الدائم للمحروقات يجعل العرب في مربع الند نسبيا مع الصين، كما أن احتياج الصين لسوق استهلاكي كبير كالذي تمثله الدول العربية يجعل الصين متمسكة دوما بعلاقات مميزة مع العرب؛ لكن يبقى قرار خوض العرب غمار الصراع بين الدولار واليوان عنصرا مؤثرا لطرف على حساب الآخر، وهو قرار يبحثه السياسيون لا الاقتصاديون، فالعلاقات السياسية والعسكرية التي تربط الدول العربية وأميركا تجعل الصين تفكر ألف مرة في محاولاتها جذب زبائنها للتعامل باليوان على حساب الدولار، حتى مع تلك الإغراءات المقدمة عبر اليوان الإلكتروني الجديد، والذي تسعى الصين لتعميمه خلال السنوات القليلة القادمة، والتي تتنامى بشكل لا يعد بطيئا في 110 دول حول العالم، حيث استطاعت الصين دمج شركات الدفع الإلكتروني لديها في معاملات تجارية ضمن شركات الدفع الإلكتروني في تلك البلدان، فلم تكن محاولة الصين الهيمنة على التكنولوجيا المالية في آسيا إلا خطوة نحو هدفها الحقيقي لأخذ مكان الدولار خلال 80 عاما الماضية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن محاولات بعض الدول الانفكاك من هيمنة الدولار حثيثة، فالقرار الذي اتخذته كل من تركيا وروسيا وإيران باعتماد العملات المحلية لهم في التبادل التجاري بينهم، كان الهدف منه توجيه ضربة مقابلة للدولار على إثر معاناتهم مجتمعين من عقوبات تفرضها الولايات المتحدة عليهم؛ إلا أن فكرة الهيمنة الأميركية ما تزال تداعب مخيلة شعوبنا العربية، لا سيما بعد الربيع العربي بموجتيه، ولا يمكن تناسي محاولات الثوار في مصر تبني فكرة تقاضي رسوم العبور في قناة السويس بالعملة المحلية، كشكل من أشكال الانعتاق من تلك الهيمنة ولو جزئيا؛ لكننا نرجع ونكرر أن قرار الانفكاك من هيمنة الدولار هو قرار ثوري لا أظن أن الأنظمة العربية يمكن أن تستجيب له حتى مع وجود عملة موحدة لهم.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة