حوكمة العالم السيبراني.. صراع المخبر والناشط!

 

نسمع جعجعة ولا نرى طحنا أو طحينا،

لا أقل من أن نصف تلك الجلبة التي تدور في دهاليز وأروقة الهيئات والمنظمات الدولية والأممية والحكومية حول الحوكمة في العالم السيبراني بمثل ذلك القول، فتلك الدعوات والمؤتمرات والندوات والدورات وورش العمل التي تعقد بشكل دوري ودائم لم تنجح بعد في بلورة رؤية مشتركة.

 

هذه الرؤية المشتركة نحتاجها لإعمال تلك الحوكمة بمفهومها القائم على الأسس والقواعد والطرق العلمية والمنهجية من أجل خلق توازن بَنّاء تتحدد فيه أدوار ومسؤوليات الجهات ذات العلاقة والعمل بروح الفريق لمناقشة أهم القضايا المتعلقة بالسياسات العامة لحوكمة العالم السيبراني.

وذلك بغية تعزيز استدامة ذلك العالم ومتانته وأمنه واستقراره وتطويره وبما يراعي مصالحها ويتوافق مع المعاهدات والاتفاقيات والقوانين الدولية. ولتعرف كمّ الفوضى المتراكمة في ذلك العالم الذي بات قاب قوسين من الخروج عن السيطرة، يمكنك فقط إلقاء نظرة على المصطلحات والمسميات التي تعقد من أجلها تلك المؤتمرات والمشاورات.

 

فمن حوكمة الأمن السيبراني وحوكمة الفضاء الرقمي إلى حوكمة الإنترنت مرورا بحوكمة أمن البيانات والمعلومات والحوكمة الرقمية ووصولا إلى حوكمة تقنية المعلومات وإدارة البيانات، كل تلك العناوين تحكي عن كمية الفوضى في ذلك العالم التي بلغت ذروتها حد أن المعنيين وأصحاب المصلحة والقائمين على تلك الاجتماعات لا يكاد يجمعهم من أفكار ورؤى وتصورات إلا تحديد موعد قادم لمؤتمر آخر تحت يافطة جديدة.

ويرجع ذلك إلى أن النقاط الشائكة التي تفخخ جداول أعمال تلك المشاورات تحول دون التوصل إلى حل يرضي أصحاب المصلحة مجتمعين، فحوكمة العالم السيبراني من وجهة نظر الجانب الحكومي وأجهزته الأمنية تندرج ضمن الحقوق السيادية، الأمر الذي يعني مزيدا من الهيمنة وفرض الرقـابة الحكومية في ظل مشاركة مقيدة ومشروطة للأطراف الأخرى.

 

على الجانب الآخر، يعبر مشغلو الشبكات ومقدمو الخدمات عبر الإنترنت ورواد القطاع الخاص عن مخاوفهم من ذلك التشدد ولا تكاد تمر ساعات المؤتمر دون أن يخيّم عليهم جو من الضجر والتأفف والحنق مما يطرحه الجانب الحكومي بحيث يمكنك أن تستشعر في نبراتهم تمردا منمقا وناعما ممزوجا بتقية رأس المال.

رأس المال الذي طالما مثّل حلا سحريا لكبح جماح الجانب الحكومي والتقليل من وطأة شطحاته، لكنهم في الوقت ذاته يتحيّنون الفرص المواتية للانتفاض على مغالاة الحكومات ليثبتوا لأنفسهم وللجميع أنهم رقم صعب وأنه لا بد أن يتم التعامل معهم بندية.

بيد أنه متى ما صفا لهم الجو فإن أفعالهم لا تخلو من صلف رأس المال الجشع الذي لا يتورع عن فرض كل ما يؤدي إلى جني المزيد من الأرباح دون مراعاة أي جوانب قانونية أو أدبية وأخلاقية على أقل تقدير.

وبين كل تلك الأجواء المشحونة والضبابية يمكنك أن تلمح في إحدى زوايا القاعات المستخدمين والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وقد رسموا لأنفسهم عالما موازيا مختلفا وبعيدا تماما عما يطرح في غرف المداولات وعلى الطاولات المستديرة.

 

 

والحقيقة التي لا غبار عليها هي أن القول "بحوكمة العالم السيبراني" ما زال حلما بعيد المنال، ذلك أن البون الشاسع بين تصور الحكومات لتلك الحوكمة وبين رؤى وتطلعات وآمال وتفسيرات الأطراف الأخرى من أصحاب المصلحة -ناهيك عن ما هو ملموس في الواقع الافتراضي- كل ذلك يحول دون إحراز أي نتائج فعالة لحوكمة رشيدة.

وفي خضم كل تلك الفوضى والجدليات تستمر عجلة ذلك العالم في التقدم والتطور على نحو متسارع وتتزايد معه تلك الفجوة في الاتساع، وهو ما يؤثر سلبا على كل ما يتعلق بذلك العالم، فاتحا الباب على مصراعيه لكل فاعل يمتلك قوة ذاتية لتخطي المبادئ والقيم الإنسانية وكسر القوانين والتحايل عليها وارتكاب الجرائم السيبرانية الخطيرة.

فضلا عن انتهاك الحريات والحقوق وشن الحروب السيبرانية والفتك بكل مناوئ ومعارض لأهواء ونزوات الأطراف الفاعلة، في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك أدوات القوة الغاشمة، إذ إن ميزان العدالة في ذلك العالم ما زال مختلا ويميل دائما لكفة القوي. فإن كان ثمة طحين من بعد كل تلك الجعجعة فهو طحن الضعيف برحى طحانين لا قاسم مشتركا بينهم سوى الطحين!

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة