ساعة مع صديقي المندهش

 

لي صديق تلذ لي مجالسته مهما امتدت، فهو شهي الحديث، عميق النظرة، واسع المحفوظ من الشعر والنثر، وإنك لتنصرف من لقائه كل مرة بغذاء للنفس والعقل والشعور، كأنك قرأت كتابا حافلا بالأفكار أو قلبت صفحات مجلة متشعبة الأبواب منوعة الموضوعات والأفكار، ويزيد جليسه تعلقا به أنه بريء من لوثة كبار المثقفين، وهي تلك النظرة التي يتعاظمون بها على من حولهم ويرمقونهم من عل بنظرات الهزء والاستخفاف، فالعلم لم يزده إلا تواضعا، والثقافة لم تزده إلا قربا من الناس وتفهما لأخطائهم.

سألته يوما عن سر ذلك الإشراق الروحي والتوهج العقلي الدائم الذي يلازمه، فرد بكلمة واحدة "إنها الدهشة..".

وكانت تلك عادته في حديثه، كلمة مفتاحية مقتضبة تكون كالمغزل الذي ينسج عليه أفكاره ويشد إليه كل ما سيعرضه من أفكار.

قلت له الدهشة!، أو ليست الدهشة هي ما يصدر عن الجاهل الساذج عندما تفجؤه حقائق الأشياء أو تتبدّى له صورها في غير ما ألف واعتاد؟

وإن كانت الدهشة تليق بأولئك الذين لا تسعفهم ثقافاتهم أو يتاح لهم من الخبرات ما يميط لهم عن لثام الحقائق والأفكار فهل تليق بالمثقفين الذين يقتحمون على متن كتبهم عوالم المجهول ويرتادون آفاق الحقائق والأفكار، حتى غدوا أدرى الناس بمعالمها وأخبرهم بطرقها ومنعرجاتها وما تخفيه من مفاجآت؟

أو مثل هؤلاء يصيبهم مثل الذي يصيبنا من الدهشة؟

نظر إلي وافترّ ثغره عن ابتسامة ودود، وقال هذا ما يظنه الناس، وهم فيه أبعد عن اليقين والتحقيق وأقرب للظن والتخمين، فهم يقرنون الدهشة بالجهل والغفلة والانبهار الساذج المندفع، ولست أعني تلك الدهشة التي تتبدّى للناظر حين يرى عجيبة من العجائب أو يسمع عن خارق لا عهد له بها، فتلك دهشة طبيعية لا يتفاضل فيها الناس.

وإنما أعني بها تلك الدهشة الواعية اليقظة التي تصدر عن توقّد الفكر وتوهُّج الخيال ويقظة الشعور، وهي قدرة استثنائية على التملّي في الظاهر والنفوذ منها إلى حقائق الأشياء ورؤية مساحات الجمال المبثوثة، مهما كانت ضئيلة والتمرد على أطواق الإلف والاعتياد، حتى إنها ترى في مظاهر القبح والدمامة مما يدعو للعجب والاندهاش ما لا يراه الآخرون في الحُسن والجمال.

 

ودعني أزيد كلامي بيانا لا يترك في نفسك بقية من غموض أو لبس.

إن الحياة من حولنا حركة موّارة تفيض بالخلق المتجدد والبعث الدائم في الحياة كل الحياة، الحي منها والميت والمتحرك والجامد والساكن والناطق، فالإنسان نفسه يولد كل يوم ميلادا جديدا، يستقبل فيه الحياة ببدن غير البدن وشعور غير الشعور ونفس غير النفس.

فالهواء الذي ينفذ إلى رئتيه والقلب الذي يضخ الدم في العروق، والعقل الذي يصدر مراسيمه للأعصاب، والجوارح التي تسعى وتبطش وتقبض وتبسط والأذن والعين واللسان والجلد والخلايا التي تُهدّم وتُبني .. كل ذلك يولد ويخلق كل يوم خلقا جديدا، خليقا بالدهشة والاحتفاء والعجب معا.

ولكن ما يُفسد الدهشة بهذا الخلق المتجدد ليس هو الجهل بما يجري لهذا البدن المعجز من خلق وإنشاء، ولكن يفسدها ما يصاب به الإنسان من إظلام الشعور وانطفاء الخيال وخمود العقل.

 

وإن وقفة متأملة واعية وقراءة خاشعة متدبرة لهذه الظواهر المحتشدة كفيل بأن يأخذ بتلابيب هذه النفس، ليوقظها من سباتها ويهزها هزا عنيفًا مزعجًا، ولهذا كانت دعوة القرآن للتفرّس في النفس والإبحار في عالمها الرحيب،

وفي أنفسكم أفلا تبصرون.

وتتبعها الدعوة للسير في الأرض والضرب في الآفاق واستكشاف مصائر الأمم، واستنطاق الآثار ومحادثة التاريخ، فإن تعذرت تلك الرحلة بالبدن والانتقال فالقراءة مركب مأمون العاقبة، زهيد الكلفة، مبذول للناس لا يمنعهم منه مانع، ولا تصدهم عنه الحدود أو تعوقهم تأشيرات السفر.

ولكن ما بال الناس في هذه الدهشة من الزاهدين حتى أصبحت لا تكاد تتهيأ إلا لحفنة من الفلاسفة وأهل الفكر أو المتأملين وأهل الإشراق الروحي؟

إنها رياح الإلف والاعتياد والنظر الرتيب للأشياء، وإنها لتهب على سراج العقل فتطفئه، فيعيش بعدها مظلما بليدا لا يرى فيما حوله ما يستحق النظر والتأمل.

وأصدقك القول يا صديقي إن من يسلب هذا الشعور المتجدد بالدهشة محروم، ويعيش حياة مقفرة هامدة يومها كأمسها وغدها كيومها، وهي حال أشبه بتلك التي قال عنها شيخ المعرة:

من كان يطلب من أيامه عجبا ** فلي ثمانون عاما لا أرى عجبا

الناس كالناس والأيام واحدة ** والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا

راحت الأفكار تتسابح في رأسي، وتزدحم الأسئلة في عقلي، وراق لي كلام صديقي، وودت لو أنه أطال، لكني وجدته يتململ في مجلسه، ويتأهب للقيام، فبادرته بسؤالي إذن الدهشة شيء كسبي لا وهبي، فقل لي بربك كيف يمكن أن نحصل هذه الدهشة ونعيش ما تبقى من أعمارنا نستقبل وارداتها في غبطة واشتياق؟

قال لي هناك ترياق مجرب ووصفة مركبة قد تفتح لك طريقا لتحصيل هذه الحياة المندهشة أو شيء منها.

قلت هاتها لأكون لك من الشاكرين

قال أولا يجب ألا تكف عن الأسئلة عن كل شيء، والبحث عن كل ما يثير في نفسك هذه الأسئلة من قراءة كتاب أو مجالسة صديق أو معايشة موقف أو خوض تجربة، واحذر ذلك الصنف من الكتب الذي يصفها قارئوها مثلا بأنها تجيب لك عن كل الأسئلة، فالكتاب الجيد هو الذي يجيب عن بعض أسئلتك، لكنه لا يفارقك إلا وقد أثار فيك أسئلة جديدة وأجلسك على مقعد رحلة جديدة نحو البحث عن المعرفة.

كما أن الصديق الذي يتبرم بأسئلتك ويراك مشاكسا مناكفا لا تمل من البحث والتنقيب وفحص الأفكار ولا يرضيك شيء أو تقنعك إجابة، إنما هو صديق يعمل على طمس دهشتك والجناية عليها.

ثانيا: تجنب تلك المنصات والمواقف والمجالس التي تسطح أفكارك وتأخذك بعيدًا عن التفكير الجاد المنتج وتقنعك بالنظر إلى ظواهر الأشياء كما ينظر إليها الناس، وإني على يقين أن مصاحبة الأغبياء وإطالة الجلوس معهم يؤثر تأثيرا بليغا على استعداد نفسك للدهشة، وقد تواترت نصائح الحكماء والعقلاء بالبعد عن مصاحبة الحمقى والمغفلين، وقد سبقوا في ذلك ما وصلت إليه علوم الاجتماع والنفس من أثر المخالطة على تغيير مستوى التفكير لدى الإنسان والهبوط به إلى دركات دنيا ضحلة.

ثالثا: استقبل حياتك بنفس الطفل وشعوره، هذا الشعور الشاكر والممتن دائمًا لكل ما تحبوه به الحياة من مفاجآت ومنح وعطايا ومدهشات، ألا ترى أحدهم تقدم إليه اللعبة أو اليسير من المال فيقفز فرحا قبل أن يلعب بها أو ينفق شيئا من هذا المال، إنه يدهش أولا قبل أن يستمتع بهذه العطايا، ولم نر طفلا يسأل عن قيمة اللعبة أو ما صنعت له أو يستفسر عن القيمة الشرائية للمال قبل أن يوجه الشكر لمعطيه، لذا فالأطفال أكثر الناس استمتاعا بهذه الحياة، وأعمق شعورا بالرضا والدهشة.

رابعا: لا تقنع بما بلغته من العلم أو حصلته من المعرفة، ولا ترض عن مستوى ثقافتك واطلاعك، فإذا أردنا أن نتقلب في نعيم الدهشة ونسعد بالشعور الحي المتجدد فلابد من الاستمرار في البحث والمعرفة، فهما الوقود الذي يضمن لنا أن نعيش حياة عميقة محفوفة بالدهشة والإعجاب، وإنني لأقف طويلا أمام ذلك التوجيه الرباني لرسوله الكريم بالاستزادة من المعرفة:

وقل رب زدني علما.

هذا يا صديقي بعض ما يتركب منه ذلك الترياق الذي يبحث عنه التواقون إلى الدهشة والباحثون عنها.

وهنا أدرك صديقي القيام، فسكت عن الكلام، وودعني في سلام، وتركني في دهشة واهتمام.