هل يخفي بايدن ضعفه السياسي بالشتائم؟

 

تتخذ العلاقات الأميركية الروسية منحى خطيرا اتسم في الأيام القليلة الماضية بـ"التصعيد المتواصل" إلى حدود القطيعة، وذلك بعد الكلام الذي أدلى به الرئيس الأميركي المنتخب حديثا جو بايدن بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبلغ حد الشتيمة بعد أن وصفه بـ"القاتل".

وقد شكلت هذه التصريحات مفاجأة للأوساط السياسية الصحفية حول العالم، ولم يجرؤ على انتقادها في العلن سوى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي لا تبدو علاقات بلاده أفضل حالا من علاقات موسكو مع واشنطن.

أول مظاهر هذا التراجع برز من الجانب الروسي بعد استدعاء السفير لدى الولايات المتحدة أناتولي أنتونوف إلى موسكو نهاية الأسبوع من أجل التشاور و"تحليل مستقبل العلاقات والحيلولة دون تدهورها"، وذلك على حد تعبير الخارجية الروسية.

ثم استُتبع ذلك بتصريحات للرئيس الروسي ذكرت بمآسي النووي في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، وكذلك المجازر الأميركية التي ارتكبت بحق سكان القارة الأميركية الأصليين.

أوساط الكرملين رأت أن كلام الرئيس الأميركي المنتخب حديثا هو خطاب "استفزازي صريح"، ويظهر بوضوح شديد "عدوانية السياسة الخارجية" للولايات المتحدة، كاشفة أن سلوك بايدن يُظهر كم أن الرئيس الجديد "عاطفي وبعيد عن لغة الخطابة الدبلوماسية".

 

 

واعتبرت أن سلوكه "يعكس درجة عالية من التوتر الاجتماعي في الداخل الأميركي"، وربما يعكس أيضا "أزمة سياسية داخلية عميقة" نشأت على خلفية الانتخابات الرئاسية التي أوصلت بايدن إلى البيت الأبيض.

ويأتي خطاب بايدن -الذي تناول بوتين بـ"الشخصي"- عشية محاولات الرئيس الجديد لفت النظر إلى البيت الأبيض الذي يبدو هادئا لحدود الضجر بعد خلوه من شخصية مثيرة للجدل والصخب مثل دونالد ترامب كانت قادرة على أن تشغل العالم بأسره وتهزه بـ"تغريدة".

كما يأتي الخطاب عشية سعي بايدن لإثبات إستراتيجية الحزب الديمقراطية القائمة على الموازنة بين "المبادئ الديمقراطية والمصالح"، والتي لم تجلب حتى اللحظة سوى الريبة إلى نفوس الحلفاء قبل الخصوم، مثل تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة وحتى إسرائيل.

وتزامن هذا الكلام مع عقوبات فرضتها الولايات المتحدة قبل نحو أسبوعين على روسيا، وذلك على خلفية سجن المعارض الروسي أليكسي نافالني، كما تزامن مع عقوبات أوروبية مماثلة شملت مسؤولين روسيين.

لكن يبدو أن غضب بايدن "غير الدبلوماسي وغير اللائق" جاء ليلتقي في لهجته مع التقرير الاستخباراتي الأميركي الذي يتحدث عن تدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة من خلال ما تعتبره محاولات التأثير على خيارات الناخبين الأميركيين، وهي تهم عامة يمكن لأي دولة أن تتهم خصومها بها في ظل العولمة وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت المتفلتة من أي ضوابط.

وتعتبر أوساط الكرملين هذه التهم والألفاظ "الرئاسية" كلها "صراخا عاليا ومتفاخرا مثيرا للضحك" يستطيع "رسم الابتسامات الساخرة" على وجوه الكثير من الشخصيات السياسية والعامة في دول مثل جورجيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وحتى في مصر وليبيا التي لم تتردد واشنطن لمرة واحدة في التدخل في شؤونها بشكل علني وعند محطات كثيرة.

كما تسخر أوساط الكرملين في الوقت نفسه مما تسميه واشنطن "الدبلوماسية السلمية" التي تتخفى خلفها من أجل توسيع حلف "الناتو" على حساب دول أوروبية شرقية، ومن خلال تصوير القدرات العسكرية الروسية بشكل مبالغ فيه على أنها "خطر داهم".

وفي هذا الصدد، دفع القرار المفاجئ الذي اتخذته بريطانيا بمضاعفة قدراتها النووية نحو التسويق لنظرية واشنطن، ونحو صب المزيد من الزيت على نار الخلاف المستجد بين القطبين العالميين السابقين، حيث أعلنت لندن في "مراجعة أمنية ودفاعية" قبل أسبوع أنها تعتزم "تعزيز ترسانتها من الرؤوس النووية بأكثر من 40%"، وذلك من أجل ما سمته "الحفاظ على أمنها في بيئة عالمية محفوفة أكثر بالمخاطر، وفي مواجهة تهديدات تكنولوجية جديدة.

وأوضحت بريطانيا أنها تود من ذلك "مواجهة مخاطر متنوعة وناشئة من دول مسلحة نوويا، ودول نووية ناشئة، ودول ترعى الإرهاب النووي".

وبذلك، يمكن القول إن الساحة الدولية باتت في جاهزية وترقب ربما يعيدان عقارب الساعة والعالم بأسره إلى الوراء، تحديدا إلى محطة الحرب الباردة.

وقد يرخي التوتر الناجم عن ذلك كله بظلاله على مناطق النفوذ الخاصة بالدولتين العظيمتين في العديد من دول أوروبا الشرقية، خصوصا في دول منطقة الشرق الأوسط، مثل إيران وتركيا وسوريا ولبنان.

 

لكن رغم هذه التطورات كلها ورغم الخطاب الأميركي الحاد الذي أنتج أزمة دبلوماسية تهدد بقطع العلاقات فإن موسكو لم تقفل الباب كليا في وجه واشنطن، وإنما أبقته مواربا أمام الدبلوماسية المباشرة للحد من التوتر وفتح المجال أمام أي فرصة للتقارب، وذلك من خلال اقتراح الكرملين إجراء محادثات "عبر الإنترنت" مع الرئيس الديمقراطي جو بايدن، لكن الرئاسة الروسية حذرت في الوقت نفسه من أن هذا الاقتراح "لن يبقى مطروحا ينتظر إلى الأبد".

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة