اليمن بين التمدن العثماني والجمود الإمامي

جانب من مزارع المانجو والموز بمزرعة جنوب غرب اليمن

 

التخلف والجمود، الذي يمارسه اليوم الحوثيون ضد أبناء اليمن، إنما هو نتيجة طبيعية لمرحلة غابرة من حكم الإمامة، الذي ما زالت آثاره باقية فيهم ليومنا هذا.

سأعرض لكم في هذا المقال بعض منجزات الخلافة العثمانية في اليمن، التي ستتفاجؤون بوجودها حتى سنة 1918م؛ وعند تسليم اليمن لحكم الإمامة الزيدي لم يبق منها شيء للأسف، والسبب في ذلك يعود لعدائهم للحضارة والتمدن.

خاض كثير من الكتاب والمؤرخين في الكتابة عن العثمانيين؛ منهم من نزههم وقدسهم، ومنهم من اعتبرهم أعداء ووصفهم بالاحتلال. سواء هذا أو ذاك، لكل جواد كبوة كما قالت العرب، وليس هذا هو حديثي.

وإنما حديثي عن هذه الإنجازات التي جعلت من ولاية اليمن التي تقع أقصى الجنوب في الجزيرة العربية، مبتعدة عن عاصمة الخلافة العثمانية، موقعا مهما لا بد من استثماره في شتى نواحي الحياة.

 

ومن أبرز هذه الإنجازات مما يذكره عبدالواسع الواسعي في تاريخية المسمى تاريخ اليمن.

أن من إنجازات الحكم العثماني في اليمن ومن النواحي المظهرية، التي اهتم بها الوالي عبد الله باشا 1900، إقامته نصبا تذكاريا للحكم العثماني باليمن، على هيئة عمود طويل في رأسه هلال من نحاس مطلي بالذهب، كما أحاط بعض أحجار هذا العمود بنحاس مطلي بالذهب أيضا، وكان موقعه خارج صنعاء أمام باب اليمن؛ غير أن هذا النصب التذكاري هدم بعد 10 سنوات من تاريخ بنائه، وسبب ذلك يعود لهجمات القبائل للدخول إلى صنعاء.

ومما ذكره نزيه العظم الذي قام بزيارة اليمن في سنة 1927 أن العثمانيين بنوا مدرسة للصناعات في الحديدة، وقد شاهد أطلالها، وكانت قد تهدمت إثر المعارك التي دارت حولها بين جيش الإمام يحيى وجيش الأدارسة في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

إضافة إلى تجميل صنعاء وشق الطرقات بها وإنشاء حي (بير العزب) خارج سور صنعاء، كثرت الحدائق في هذا الحي حول المنازل التي حوت كل وسائل الراحة.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد قام العثمانيون بإنشاء طاحونتين هوائيتين في (مناخة) كانتا تعملان بصفة دائمة لطحن الغلال لحاجة الولاية.

بالإضافة إلى تأسيس البنك العثماني في الحديدة الذي كان ينعش الحالة الاقتصادية في اليمن عامة.

وكذلك تأسيس منشأة ملاحات (الصليف)، وقد تعطل فيها التصدير الخارجي واقتصر على السوق المحلي في عهد الإمامة.

كما عملوا على بناء شبكة بنية تحتية اهتمت بشق وتعبيد الطريق الموصل بين الحديدة وصنعاء، وتحسين وإصلاح ميناء الحديدة، فأصبح الميناء الأول لليمن، كما أنشؤوا أرصفة جديدة في رأس الكثيب (شمال الحديدة)، وقد استخدم لاحقا منطقة عسكرية لأغراض خاصة وحربية للمخلوع صالح.

ولأن الحديدة منطقة شديدة الحرارة والرطوبة أنشؤوا فيها مكثفا ينتج 10 أطنان من الثلج يوميا، وقد كلفتهم مولدات الأيدروجين مبلغ ألف جنيه، واستوردت بالتعاقد مع أحد المصانع الإيطالية.

وفي السياق نفسه، تم مد خط حديدي من رأس الكثيب يمر بميناء الحديدة إلى الداخل على مدى نحو 50 كيلومترا حتى قرب (الطنمية) الواقعة بالقرب من (باجل) ثم يتجه عبر الهضبة الوسطى إلى صنعاء، وسارت أول قاطرة في حفل افتتاح مهيب حضره الوالي العثماني، وقد أُهمل هذا الخط الحديدي، ولم تعمل الإمامة على إصلاحه بعد استلامها حكم اليمن.

كما أنهم أنشؤوا في جبال اليمن الشاهقة (تلفرليك) كان يستخدم لنقل المؤن والأفراد من جبل لآخر بسبب وعورة الطريق.

 

وأما فيما يخص الاتصالات، فإن اليمن كانت تتمتع بشبكة اتصالات ضخمة مع الخارج لامتلاكها بحرين ومضيق باب المندب.

فقد مدت أسلاك البرق بين كثير من المدن اليمنية، وأخرى للبريد الخارجي والحكومي تتصل بخط برقي بحري لأنحاء العالم.

وفي المجال الصحي، إضافة لكثير من المستشفيات المنتشرة في أنحاء البلاد، تم تهيئة جزيرة (كمران) كمحطة للحجر الصحي للحجاج الشرقيين الذاهبين إلى مكة عن طريق البحر.

 

وفي الشأن الإعلامي، أنشؤوا مطبعة، وكانت هي الوحيدة الموجودة في اليمن، للمراسلات الرسمية الخاصة بالولاية.

إضافة إلى ذلك تم تشيد الكثير من القلاع والحصون التي هي الأخرى أهملت بسبب أنها من (مخلفات العثمانيين)، ومنها قصر (غمدان) الشهير الذي لم يبق منه حتى موقعه، الذي اختلف عليه كثير من المؤرخين.

 

هذا غيض من فيض كان موجودا في اليمن قبل حوالي 150 عاما، حين لم تكن حتى بعض دول أوروبا تمتلك هذه المدنية وهذا الرقي، فأصبحت اليمن بسبب الانغلاق والجمود الإمامي في صف الدول المتأخرة لا توجد فيها حتى أبسط مقومات الحياة.

ختاما، ليس من يحمل مشروع الحياة كمن يحمل مشروعا للموت والإبادة سواء.