إسلامنا والإتيكيت

 

كثيرا ما كنت أرى وأسمع هذه الكلمة (الإتيكيت)، وهي تتردد على ألسنة الكثيرين، فأجدهم يستخدمونها في مواضع معينة، بل ومواقف تبدو كأنها تقليد للغربيين في ذوقهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم وحديثهم، فهم بالفعل قد جذبهم أسلوبهم وغرهم تعاملهم، فهذا مما لا شك فيه يدل على أن البعض لم يفهم المعنى الحقيقي لهذه الكلمة، وهي -الإتيكيت- فنحن نسينا أو لم ننتبه بأن نبينا صلوات الله وسلامه عليه قد جاء بالإسلام، فخلص البشرية، ونقلها نقلة عظيمة من الفوضى إلى النظام، ومن عدم مراعاة لشعور وإحساس إلى أدب وذوق رفيع.. فتعلم المسلمون الذوق والأدب من الإسلام قبل أن يتعلمه أي شعب في الدنيا.

فالذوق كل الذوق ينبع من أساس الإسلام وروحه؛ لكن المشكلة تكمن في أن بعض الشباب المتدين ظن بأن التقرب إلى الله يكمن في العبادة فقط بمفهومها الضيق من صلاة وصوم وحج وزكاة، فهذا هو فهمه للإسلام مع الأسف، وهو لم يفهم بأن الدين المعاملة، وأن الذوق هو من أخلاق الإسلام؛ بل قد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"؛ بل وقال أيضا "خيارُكم أحاسنُكم أخلاقًا"، وقال "إن أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا"، كما قال "إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا".

لذلك نرى كيف حث النبي صلى الله عليه وسلم على الذوق والأخلاق، فهو قيمة من قيم الإسلام المهمة، وهو السبيل إلى مرضاة الله. فالإسلام أيها القرّاء الأعزاء، هو الذوق والأدب وهو الرقي، فالإسلام نظام شامل يتناول كل مظاهر الحياة.

أنا أقول لمن تربى على الذوق والأدب، وهو يظن أنه من حضارة الغرب "إنك تربيت على الذوق والأدب كمستحضر، ولم تترب عليه كخلق إسلامي من صميم ديننا، فلا بد أن تراجع حساباتك وتدقق فيها جيدا"، فقد قال صلى الله عليه وسلم "أحبُّ عبادِ اللَّه إلى اللَّهِ أحسنُهُم خلقًا".

 

ما أجمل ديننا

الدين المعاملة، حقا إنها عبارة تشير بحق إلى أن ديننا الإسلامي العظيم علمنا بأن التعامل مع الناس سواء كانوا الأقربين أو الأصدقاء، أو مع أي من أفراد المجتمع، لا بد أن يكون بالأدب والحس العالي والراقي.

 

أبي وأمي لكما كل الإتيكيت

إنه لمن الذوق أن تجيب أمك مبتسما ملاطفا، وأن تحدث أباك وأنت تشعره بأنه سيد الموقف، إذا حدثك تنظر إلى وجهه ولا تنشغل عنه، وإذا جلست مع والديك إلى الطعام ألا تأكل قبلهما، وأن تقدم لهما الطعام بيديك وتفضلهما بطيب الطعام على نفسك.

ومن الرقي والذوق مع الوالدين أن تجاملهما بدون معصية، وأن تمدح ما يفعلان حتى لو تعارض مع رغباتك.

قال تعالى (وقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) [الإسراء: 23].

 

الدائرة أوسع

ما زلنا ندور حول دائرة الأخلاق والذوق، والتي هي من صميم ديننا، فنجد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أثناء تعبده وقيامه في الليل كي يصلي، لا يزعج النائم وإنما كان يؤنس اليقظان، كما كان صلى الله عليه وسلم يطرق باب بيته -لاحظ- قبل الدخول إليه، وكان ضحاكا في بيته، تصفه زوجاته صلى لله عليه وسلم، فيقلن "كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته هاشا باشا، وكان ضحاكا في بيته، وكان يجلس معنا يحدثنا ونحدثه".

كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب ذوق رفيع في التعامل مع المرأة، يقول صلى الله عليه وسلم "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك". ويقول أيضا "استوصوا بالنساء خيرا".

فياله من ذوق رفيع ويا له من دين عظيم يُعنى بكل مظاهر الحياة بكل ذوق وعفة ورقي، جاء به الحبيب سيد الخلق أجمعين قبل 14 قرنا؛ ليؤكد أن التقدم والرقي والمساواة إنما تنبع من أساس الإسلام وروحه.

لذا فنحن نجد أن السنة المطهرة والقرآن الكريم يزخران بالعديد والعديد من الأدلة، التي تؤكد على حثهما على الذوق والتعامل اللطيف في جميع أمور حياتنا. لذا فأنا أؤكد هنا مرة أخرى بأن ديننا الإسلامي الحنيف قد ركز على أهمية مكارم الأخلاق، مؤكدا تأثيرها على العلاقات السليمة بين أفراد المجتمع؛ لكي نخرج بمجتمع متحضر راق قوي بأخلاقه، فدائرة الإتيكيت هي أوسع بكثير.

 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة