عقلية الحاكم وعملية التغيير

 

يعيش معظم العالم العربي، اليوم، في حالة من الإحباط واليأس، وهي نتاج ربيعه الثوري، الذي وصفه الكثير من الفلاسفة والمنظرين بأنه الخريف العربي، رغم أنه في بعض المناطق أحدث تغييرا مهما خصوصا في تونس؛ لكن في المقابل ما زالت الصراعات إن لم تكن عسكرية، فهي اجتماعية ومعيشية حتى وصل هذا الصراع إلى حافة الحفاظ على الحياة خصوصا في سوريا، هذه المعاناة والمحنة الإنسانية التي يعيشها اليمن وسوريا من التفسخ في النسيج الاجتماعي وفقدان الإنسان لقيمته الإنسانية، هي نتيجة فكرة التغيير في النظام السياسي في تلك البلاد، فحصل الصدام الدامي، فلم تربح الثورة ولم يخسر النظام؛ لكن الفريقين وصلا إلى حافة الانسداد السياسي، أصبح الإنسان كيانا حيا مهدد الوجود بسبب الأزمات الاقتصادية والمعيشية؛ لكن هل الثورات تنجح في العالم العربي؟ وكيف يكون التغيير؟

إن عملية التغيير لا تقتصر على تغيير مسلكية وسلوك القائمين على النظام أو تغيير دستوره، ولا تكون من خلال ثورة عنيفة أو ثورة مسلحة تهدف إلى إسقاط النظام السياسي القائم، بقدر ما يجب أن يهدف إلى إزالة الظلم، ولا يكتفي بإزالة الظالم كما ذكر الدكتور علي شريعتي، فالتغيير يكون من خلال تغيير البيروقراطية القائمة، التي تُعتبر من أدوات النظام وأزلامه في الجيش والدولة العميقة. ففي كتابه "النباهة والاستحمار" قال إن الاستعمار خرج؛ لكنه ترك خلفا وأدوات له، يُنتخبوا بشكل قانوني وديمقراطي، وهذه هي عملية الاستحمار، فتتحول الدولة كلها لمزرعة محكومة من 3 عناصر، الرئيس والقوى الأمنية وأصحاب رؤوس الأموال، وكل أدوات البيروقراطية تصبح أداة للسيطرة والبطش للبقاء في السلطة والتحكم بالبلاد والعباد.

لقد فهم حسن الترابي المفكر والسياسي السوداني هذه اللعبة، وأدرك أنه لا بد من التحالف مع السلطة، وهو نوع من الزواج المصلحي لغاية وهدف كتكتيك وليس كإستراتيجية إطلاقا، لقد كانت البراغماتية منهاجه السياسي، فقد حرص على الليبرالية في تفكيره؛ لكن ممارسته تختلف تماما، فكانت حياته عبارة عن دخول السجن ثم خروجه رغم دهائه السياسي، فتحول النميري من غريم إلى حليف، وبحث النميري عن مقاربة أخرى وحلفاء جدد، فأفرج عن الترابي و"تعانقا كأصدقاء" رغم أنهم لم يلتقوا منذ عهد بعيد، حيث عمل خصوم النميري من الخارج ونفذوا أكثر من محاولة انقلابية؛ لكن الجيش كان يسحقهم في كل مرة.

كثرة المحاولات أرعبت النميري فقام بخطوة استباقية بإعلان المصالحة الوطنية عام 1977، وكذلك غيّر الترابي هو الآخر تكتيكاته فقبل الصلح، وبدأ باختراق النظام والقبائل والطرق الصوفية، وتغلغل في القوات المسلحة، وتعاظم النفوذ الإسلامي في الاقتصاد والسلطة.

إن لعبة الصدام مع السلطة والعنف ورفع السلاح هي لعبة السلطة بامتياز، من أراد هذا الخيار، فهو بذلك يعلن الحرب على الترويكا القائمة (الرئيس والجيش ورؤوس الأموال)، طبعا هذا القرار سوف يتم عليه بقرار الثورة المضادة وهناك الكثير من الشواهد والأمثلة، فقد كانت نظرة عزمي بشارة في القضية السورية ترفض التسلح والصدام مع النظام، وطالب في أوج تقدم الثورة أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية مع النظام، وهذا ما لم يحصل، فقد تم انتقاده لطرحه مثل هذه الفكرة رغم بيان صوابها في نهاية المطاف، ثم تغير المشهد العسكري والسياسي واللعبة الدولية ووصلت الثورة اليوم إلى ما وصلت إليه.

إن عقلية الحكام في دولنا هي عقلية نيرون، التي ترمز إلى الحرق والقتل، فهذه العقلية لا تعرف إلا القتل وسفك الدماء، فهذا ملعبهم ولديهم القدرة على المواجهة ولديهم دعم خارجي، حيث إن هذه العناصر تحتم على من يرفع شعار التغيير أن يكون براغماتي وأن يدرك من يواجه، حتى هتلر القائد النازي عندما فشل في انقلابه، تم رميه في السجن فكتب كتابه الشهير "كفاحي"، ذكر فيه أن الثورات تفشل ولا بد من التغيير المرن، والدخول إلى السلطة من خلال اللعبة الديمقراطية، وخلال 10 سنوات تقريبا وصل إلى أعلى منصب في الدولة.

ما حصل في سوريا يجب أن يكون عبرة، فقد تكالب على هذه الثورة العظيمة العرب والعجم لوأدها، فنجاحها سوف يؤدي إلى موجة من التغيير في كل المشرق العربي، وهذا ما لم يقبله الجميع، فقد تحولت سوريا إلى ساحة تجارب للأسلحة الروسية، وأصحبت ساحة رسائل للقوى الدولية والإقليمية، من هذه النكبة لا بد أن نتعلم أن التغيير يجب أن يكون مثل ما فعله الترابي من خلال الزواج المصلحي مع السلطة، وهي البراغماتية التي يتبعها الكثير من الزعماء وعلى رأسهم الرئيس التركي، إن خلافته الإسلامية الفاضحة لم تقف عائقا في مشروعه السياسي، رغم كل ذلك فإنه لم يزل أي صورة لأتاتورك، ولم يُغلق الخمارات، ولم يمنعها رغم أنها من المحرمات، إنما تماشى مع النظام القائم، ودخل في حقل من الألغام التي زرعها العلمانيون والدول الخارجية للوصول إلى أهدافه بعيدة المدى، وحتى إنه عندما جاء إلى مصر في 2012 خطب مناديا بالعلمانية، قامت الدنيا عليه ولم تقعد، للأسف لم يدرك جمهور إخوان مصر الرسالة التي أراد أن يُرسلها حتى جاء اليوم الذي انقلب السيسي على محمد مرسي وانتهى حكم الإخوان.

لا بد أن يكون التغيير مرنا، وعليه أن يبتعد عن أي صدام مع السلطة السياسية من أجل ديمومة المشروع وإستراتيجيته، طبعا إنها خطوة ليست سهلة على الإطلاق، لأنها سوف تعرض فاعلها للكثير من الانتقاد والتهجم بأنه لا يختلف بأي شيء عن السلطة الحالية؛ لكن هذه الخطوات سوف تكون أشبه بأفعال سيدنا الخضر مع سيدنا موسى التي ذكرها الله سبحانه في سورة الكهف، التي لم يفهمها سيدنا موسى في بداية الأمر.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة