لماذا انتهت صناعات عهد عبدالناصر بخسائر فادحة؟

 

فجر قرار تصفية شركة الحديد والصلب كثيرا من الحقائق المريرة، التي ينبغي التعامل معها بالعقل بعيدا عن الشماتة، وبعيدا عن الهروب، وبعيدا عن اليأس، وبعيدا عن التحسر، ذلك أن كل شعور من هذه المشاعر الأربعة الموجودة والمتأججة بالفعل كفيل بأن يوقف التفكير العقلي العربي (وليس المصري وحده) في خطوة ساكنة ومتصلبة تبتعد عن الحقائق، كما أنها تبتعد بعيدا جدا عن البداية الصحيحة في طريق إدراك الحقيقة الاقتصادية في المقام الأول، وما يترتب عليها من محددات مهمة في قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية على حد سواء.

وسأحاول باختصار أن أدل القارئ على بعض العناصر الحاكمة في تاريخ الفشل في هذه الشركة؛ أي شركة الحديد والصلب بحلوان، وهذه الصناعة الإستراتيجية كنموذج بارز للتصنيع الوطني مع إشارات سريعة إلى المصادر التي تدعم ما أقدمه من حقائق.

 

البداية الصائبة ولكن في المكان الخاطئ

كانت فكرة دخول مصر صناعة الصلب موجودة بوضوح في الضمير المصري، ولن أحيل القارئ على ما أوردته في كتبي من آراء وطموحات مهندس عظيم رائد من طبقة عثمان محرم باشا؛ لكني سأذكر له أن الفكرة كانت تستنهض همة عامة المصريين بالفعل، حتى إن الأستاذ توفيق الحكيم نفسه روى أنه لما قابل إسماعيل صدقي باشا نفسه في المشتى بأسوان، أخذ صدقي باشا يحدثه عن وجود خام الحديد الممتاز في تلك البقعة من أرض مصر، وأنه لا بد لنا من أن نبدأ صناعة الحديد.

لما بدأ ضباط 23 يوليو/تموز 1952 يمارسون الحكم عهدوا بالأمور الاقتصادية إلى أكثرهم هواية للفهم الاقتصادي، وهو جمال سالم الذي كان قد قضى شهورا طويلة في الولايات المتحدة الأميركية من أجل العلاج، وقد كان جمال سالم (1981-1968) -بالرغم من كل عيوبه ومن ضخامة عيوبه (على نحو ما شرحناه في كتابنا عنه)- رجلا جادا؛ بل في غاية الجدّية، وهو في الحقيقة (وبعيدا عن الأغاني والأفلام) الذي تبنى مشروعات السد العالي، وشركة كيما وشركة الحديد والصلب، ولولا تبنيه (الشخصي) لهذه المشروعات ما دخلت حيز التنفيذ، وذلك على الرغم من إيمان جمال عبد الناصر العميق بأهمية التصنيع، وهو إيمان عضوي ومبدئي كان يشترك معه فيه كل زملائه بلا استثناء، وكان يسبقهم إليه الشيوعيون والإخوان المسلمون؛ لكن جمال سالم كان يتفوق على زملائه في فهم فكرة إنشاء المشروع، وهكذا استطاع أن يبلور الأفكار سواء كانت صوابا أم خطأ، وأن يستمع إلى كبار الاقتصاديين، وأن يعقد الاجتماعات ويخرج بالقرارات. لكن ماذا بعد القرارات الواضحة؟ هنا كانت الكارثة حيث وقع نظام الرئيس عبد الناصر في خطأين متلازمين فرضا وجودهما منذ البداية، وظلت مصر تدفع لهما ثمنا فادحا حتى اليوم وحتى الغد.

الخطأ الأول هو إحلال حماس جمال عبد الناصر محل جدية جمال سالم، ولسنا نستطيع أن نظن أن أحدا في 2021 يمكن أن يقول إن الحماس، مهما بلغ مداه، يكفي لتحقيق أي نجاح مما تحققه الجدية، والخطأ الثاني هو القرار السياسي المركب أو التوافقي (والتوافق صفة تختلف تماما عن صفة التوفيق)، وهو ما ظهر في القرار الذي اختار المكان بالقرب من القاهرة أو على أطرافها بينما الخام في أسوان.

هكذا بدأت الصناعة خاسرة من اليوم الأول؛ إلا إذا أعفيتها من مصروفات نقل الخام، وجعلت نقل الخام مسؤولية مجانية تلقى على عاتق سكك حديد الدولة؛ لتؤديها مجانا أو شبه مجان، ثم جاءت تطورات أخرى شبيهة بهذا الخطأ الأول الكبير، وهو إغضاء البصر عن تكاليف الطاقة في وقت كانت الدولة لا تأخذ مقابل ثمن الطاقة من مؤسساتها؛ أي إن الدولة كانت تأخذ الطاقة بالمجان أو بشبه المجان.

وهكذا كانت الدولة توفر للمصنع ما يطلبه من الطاقة بالمجان أو بشبه المجان، ولم يحدث على مدى تاريخ الشركة أن استطاعت تطوير استخدامها للطاقة، ولا حتى أن تغير التكنولوجيا التي تتطلب طاقة ضخمة، ولا أن تعيد توظيف الطاقة المبذولة بأن تستغل هذه الطاقة المنبعثة من الأفران في أي إنتاج مواز، وسأضرب مثلا ساذجا لتبسيط الفكرة بأن أشير إلى ما تفعله الأفران البسيطة في الأحياء البلدية حين توظف الحرارة المستهلكة لإنتاج الخبز لأغراض ثانوية جانبية من قبيل إنضاج بعض الأطعمة (تسويتها) كالفول المدمس.

هكذا يمكن لنا القول ببساطة ومن دون أن نشير إلى أية أرقام إن الدراسة الاسترجاعية لاقتصاديات هذه الصناعة كفيلة بإظهار أن هذه الصناعة كانت في حقيقة الأمر وعند حساب التكلفة الحقيقية صناعة خاسرة منذ بداية الإنتاج في أواخر الخمسينيات.

وليس سرا أن 5 مليارات ونصف مليار من إجمالي المديونية البالغة 6 مليارات وثلث هي لشركة الغاز والكهرباء.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة