ثورة الشام .. في عشريّتك تنحني الجباه

(الجزيرة)
(الجزيرة)

 

‏عقد على جبين الدهر.. صحيح أن نزيف الدماء والتشريد والتعذيب والقهر متواصل؛ لكن الأصح أن ينابيع الكبرياء والعزة والإباء والإصرار تتصاعد وتيرة تدفقه بشكل مطرد، مصرا على انتزاع الحقوق من أشداق وحوش ضارية محلية وإقليمية ودولية، ويتواصل معه الإصرار والعناد السوري من أجل رسم حاضر ومستقبل منشقٍ عن ماضٍ عبودي خيّم على البلاد لعقود ماضية، استأثرت بحكمه سلالة أثبتت في كل يوم من حكمها أن الشعب عدوها، وأن الأرض لغيرها، فاجتلبت كل احتلال ومليشيا طائفية؛ أملا في سحق عدوها الأول الشعب، الذي خططت لعداوته منذ اللحظات الأولى لحكمها، يوم زرعت المستوطنات العسكرية الطائفية حول الكتل، التي يُتوقع منها التمرد والانتفاض، لتلقيها عليهم لهيبا ونارا و"نابالم" (napalm) وبراميل متفجرة وكيميائية، ولو كان بحوزتها سواه لما ترددت في رميه.

‏عقد على جبين الدهر، اعترفت خلاله مؤسسات دولية وأهلية بحجم الخذلان العالمي للشام وأهلها، فمع كل يوم تكشف وتنزع الشام ورقة توت عن جسد عالم مصر على تمكين عصابة طائفية مجرمة من رقاب الشام، كشفت الشام وحشية العالم المصر على إبقاء هذه العصابة ربما بأكثر مما تصر العصابة ذاتها على الحكم، يوم ابتلعت كل ما تعاهدت عليه ورسمته لنفسها من خطوط حمراء، بمنع العصابة من استخدام السلاح الكيميائي، ويوم أصدر مجلس الأمن الدولي مهددا باستخدام القوة إن استعملت العصابة البراميل المتفجرة، وقد تحدّت الأخيرة القانون العالمي واستخدمته، ولاذ العالم بالصمت المطبق.

واليوم يتواصل التشريد والتعذيب والقهر، ومعه تقوم بتصدير منتوجها الوحيد مع عصابات طائفية مجاورة لها، وهو منتوج الحشيش والمخدرات لكل العالم من عربه وعجمه، ولا أحد يتكلم أو يدين أو يستنكر؛ بل الكل يطالب بأن يكون جزءا من الحل، وهي كانت المصيبة كلها على الشام وغيرها.

‏العالم الذي أصر على حرمان السوريين من حقهم الطبيعي منذ اليوم الأول لإسقاط الخلافة العثمانية حين انقلب الحليف الغربي على الثورة العربية الكبرى، وجرّدها من حقها الأولي في تقرير المصير، ولو لرقعة جغرافية صغيرة على مستوى سوريا، وهو الذي لولاها لما استطاع أن يسقط الخلافة؛ لكن مع هذا رفض الحلف "الأنغلوساكسوني" (Anglo-Saxon) ما توصلت إليه لجنة "كينغ-كرين" (King-Crane) المشكّلة يومها من حليفه الأميركي، في رغبة الشعب السوري بالحرية بعد استفتاء محايد أجرته عام 1919، وقد وثقت ذلك كله أخيرا الكاتبة الأميركية المبدعة إليزابيت تومبسون في كتابها "كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب".

‏لم تجرِ مياه كثيرة على الرغم من مرور قرن كامل على ما جرى، فما تزال العقلية الاستعمارية تعشعش وتصر على سلب الشعوب حقها في الاستقلال والحرية، بالأمس أرادها المحتل لنفسه، أما اليوم فلعملائه الذين زرعهم من خلال جيش المشرق، الذي خلّفه بعد رحيله، والمشكل من مليشيات أقلية طائفية تشكل جيش الأسد اليوم.

‏صحيح أن المعاناة ضخمة ومرعبة، وأن خسائر السوريين غير مسبوقة؛ لكن الأصح أن العودة إلى عبودية العصابة غدت مستحيلة، ولا أصدق على ذلك من إصرار مدن ضخمة مثل معرة النعمان وخان شيخون وسراقب، وقبلها درعا وريف دمشق وحمص والجزيرة، وغيرها من المدن والبلدات، التي صوّتت بأقدامها يوم تخلى أهلها عن كل ما يملكون، وآثروا الإقامة في خيام بالية، تملؤها العزة والكرامة والإباء، على البقاء في بيوت يملؤها الذل والعبودية للعصابة الطائفية والاحتلال.

‏العالم يتعرّى يوما بعد يوم، حتى غدا شجرة خريفية لم يعد لها ما يسترها؛ لكن مع هذا يصر هذا العالم المتواطئ بمقامراته على أمل الربح الكاذب، ويوما إثر يوم يثبت له الشعب السوري أن مصير مقامراته إلى إفلاس سياسي وأخلاقي ومعنوي وتاريخي، ومع هذا يكابر العالم في اللهاث خلف سراب يحسبه الظمآن ماء، أما حال الشعب السوري فهو قول الله تبارك وتعالى (فتربصوا إنا معكم متربصون).

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة