جنازة سامي المسيحي ودروس التسامح

(الجزيرة)
(الجزيرة)

 

قلت له إما أن تصحح الخطأ الذي في بطاقة الهوية أو أن تعلن إسلامك، فكان رده ساخرا مفعما لا فرق بيننا، فأنتم لا تذهبون للصلاة في المسجد، وأنا لا أذهب للصلاة في الكنيسة؛ بل إن شبابا مسلمون يسبون الدين والرب في باب الجامع (ساحة أمام المسجد) ثم يدّعون أنهم مسلمون، وأنني مسيحي.

هذه خلاصة نقاش ودّي قصير مع زميل المرحلة الثانوية سامي سعيد عبد الله، وقد وقعت في يدي بطاقة هويته بينما كنا على مقاعد الدراسة، وعندما اطلعت على خانة الديانة تفاجأت أنه مكتوب فيها "مسلم"، فبادرته بالسؤال مباشرة وبدون تردد، هل أسلمت يا سامي؟ فأجاب بأنه لم يسلم؛ لكنه خطأ من الموظف السومري "من طائفة السمرة" في مكتب الهويات (الأحوال المدنية)، وأنه عاد إلى مكتب الهويات في اليوم التالي من إصدار البطاقة ليصححها، فقال له الموظف إن تصحيح الديانة يتطلب إجراءات طويلة، فتركها بدون تصحيح.

أعادتني كلمات سامي إلى ذكريات والديْنا اللذين كانا يرتبطان بصداقة متينة، أذكر منها بعض المواقف، مثل إرسالي لشراء اللحم من أبي عبد الله "المسيحي" رغم أن هناك جزارا أقرب منه إلينا، وكان والدي لا يكتفي بالتأكيد على أن طعامهم حلّ لنا وطعامنا حلّ لهم؛ بل يردفها بتوصية المعاملة الحسنة، وشيء من المدح لهذه الأسرة.

وشهدت في صِباي ذات يوم حديثا لوالدي وأصدقائه من كبار السن في بيتنا عن وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل الكتاب، ورفض التمييز ضدهم في المعاملات، وأثر أوردوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم "من آذى ذميا فقد آذاني".
وبعد قرابة 4 عقود من درس المواطنة العفوي على مقاعد المدرسة قضى سامي نحبه متأثرا بإصابته بفيروس كورونا، فعم العزاء بلدة سبسطية التاريخية في فلسطين، وصاحبه كثير من الثناء على أحد أبنائها النجباء، وهو بحق يستحق هذا الثناء والرثاء.
وزاد من ألم الكثيرين على فقدان الأستاذ في مدرسة البلدة، أنه لم يبق فيها إلا المسلمون ليشيعوه وفق الطقوس المسيحية، فقد هجرها غالبية أقربائه، ليس بسبب تمييز من (الأغلبية) المسلمة إن صح التعبير، وإنما فروا من اضطهاد الاحتلال وتنكيله كحال الكثيرين من أبناء الوطن، أو لتوفر فرص حياة أفضل خارج البلدة وفي المهجر.

 

سامي والأقليات

حمل ابن سامي اسم جده عبد الله، وتزامنت وفاة أبي عبد الله المسيحي في فلسطين مع جدال سياسي وديني وقضائي واسع أعايشه، حيث حطت بي عصا الترحال في ماليزيا، ومصدر هذا الجدال إصرار قادة مسيحيين على إطلاق لفظ الجلالة الله على الرب، مقابل رفض قطاع واسع من المسلمين الذي يعتبرون كلمة الله خاصة بالتوحيد، ولا تنطبق على معاني الرب عند الديانات الأخرى.

قد يكون مبرِّر المعترضين من المسلمين في منطقة جنوب شرق آسيا منطقيا لرفضهم استعمال المسيحيين لفظ الجلالة "الله" بدلا من الرب، خاصة أن القيادات المسلمة تؤكد استغلال مبشرين لبسطاء المسلمين، لا سيما في المناطق النائية حيث يضعف التعليم بشكل عام خاصة الإسلامي، وما يعقبه من جهل بالدين وأصوله؛ لكن الاعتراض قد يفسر بعدم ثقة الشعوب المسلمة بنفسها وقوة ثقافتها مقابل غزو ثقافي معتاد، وتبرير لتقصير الطبقة المتعلمة والمثقفة في تمكين عقيدة أبنائها.

وهناك أنظمة علمانية تحارب الإسلام في عقر داره وتمنع الحجاب بدون وجه حق، والأمثلة كثيرة؛ لكن لنا في تركيا ذات الغالبية المسلمة الساحقة مثال في مصالحة تاريخية بين الإسلام والعلمانية، أسس لها الرئيس (الإسلامي) رجب طيب أردوغان، فقد أعاد فيها للإسلام كرامته، ولم يهدم العلمانية، وذلك بعد 7 عقود من حرب على كل ما يمت للإسلام بصلة حتى شمل الأذان والحج.
أما عن الأقليات المسلمة، فالحديث يطول، ويكفينا تعنت حكومة سريلانكا ذات الأغلبية البوذية، وإصرارها على حرق جثث من يموت من المسلمين بفيروس كورونا، على الرغم من استنكار منظمات حقوق الإنسان العالمية والمحلية ومخالفة أنظمة ولوائح منظمة الصحة العالمية والقانون الإنساني العالمي.

وحتى إن علماني الأقلية المسلمة في سريلانكا، لم يسلموا من حملة الاضطهاد الحالية حين دافعوا عن حق الحجاب باعتباره ركنا أساسيا من حقوق الإنسان وحق الاختيار، ووجهت لهم تهما بالإرهاب بسبب هذه المواقف، بعضهم وزراء سابقون في حكومات مختلفة.

لقد تقدمت دول ومجتمعات كثيرة مسلمة وغير مسلمة على فلسطين في مجالات كثيرة، ولا يدّع الفلسطينيون قدرتهم على السباق ومنافسة غيرهم فيها؛ لكن مشهد تشييع سامي من المسلمين يستحق أن يسجل ويضرب به المثل في التسامح والألفة، وهو ما ورثه أهل البلدة عن أجدادهم منذ زمن بعيد، لعل وعسى أن تعظ رسالة سامي رئيس سريلانكا غوتابايا راجاباكسا وحكومته، فحرق الجثث من الطقوس البوذية والهندوسية، والصلاة على الميت لا يمكن أن تبنى عليها تهم الإرهاب.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة