كلوب هاوس.. ضيف جديد وهمّ جديد

 

بينما نظن أن حياتنا قد حوصرت تماما بوسائل التواصل الاجتماعي خصوصا بفضائيها الأزرقين: فيسبوك وتويتر، ولم يعد لدينا مجال للمزيد، إذ باغتنا وافد جديد ومثير هو تطبيق "كلوب هاوس" (Clubhouse).

بالنسبة لي كنت من تلك الفئة التي تحلم منذ سنوات بطريقة تقلل بها مدة الاستغراق في مواقع التواصل، والغرق في عالمها الافتراضي، دون أن تجد ضالتها أو تحقق مرادها.

وعندما ظهر كلوب هاوس كان قراري الأول هو تجاهله والتمنّع عن إغرائه؛ لكن بعض الأعزاء ألحوا في ترشيحهم، فقررت الدخول مستكشفا، وسرعان ما وجدت نفسي مشاركا.

مبدئيا راق لي التطبيق الجديد من زاوية خاصة، هي أنه يعيدنا ولو بشكل مختلف إلى زمن النقاشات الحية، بعيدا عن ثقافة القص واللصق، التي فشت في فيسبوك خصوصا، ونكبتنا بجهال مدعين ينشرون معلومات يسرقونها وأشعار ينسخونها وآيات ينقلونها، رغم أنهم ربما لا يستطيعون حتى قراءتها بشكل صحيح، ثم تجدهم بعد ذلك يتوهمون أنهم أصبحوا من رموز الثقافة وأهل الورع.

 

أما في كلوب هاوس، فالنقاش سيكون مباشرا كاشفا لعقلية صاحبه ومستوى ثقافته، وبالتالي يتميز فيه الناس، وتكون الفرصة محدودة أمام الجهال والمدعين، وبالتالي يمكننا أن نخرج بفائدة.

 

ولما كنت من أهل السياسة والإعلام، دراسة ومهنة، فقد كان من الطبيعي أن أختار الدخول في غرف تناقش قضايا سياسية وإعلامية، ولفت نظري منها عدة غرف تركز على ما تسميه المواجهة بين الليبراليين والإسلاميين أو ما شابه من أسماء وأوصاف.

لن أتحدث هنا عن الموضوع، فقد هالني الأمر من حيث الشكل ومستوى التنظيم، وكانت ملاحظتي الأبرز والأكثر إيلاما هي أني لم أعد أثق في أن كثيرا من الليبراليين والإسلاميين هم كذلك حقا.

 

إذا استغربت من ذلك، فدعني أقول لك أن الجميع يرفع شعارات الحرية والعدل؛ لكن غالبا لا أحد يطبقها، ومن يمسك بالميكروفون لا يريد أن يتركه، ناهيك عن اعتبار الجميع تقريبا أن رأيهم صواب لا يحتمل الخطأ، بينما رأي الآخر المخالف هو الخطأ بعينه.

 

لفت نظري في غرفة ما كان يديرها من يقولون إنهم ليبراليون، أنهم لا يفسحون المجال إلا لمن يعزف على وترهم، والرأي المخالف يأخذ الفرصة لدقائق قليلة، ثم يقضون هم ساعات بعد ذلك في نقاشها والرد عليها.

 

والإسلاميون طبعا واضح أنهم كما هم، خصوصا الجماعة الأبرز وهي الإخوان المسلمون، فمهارة النقاش لا تتوفر لدى الكثيرين، كما أنه يندر جدا أن تجد من يمثل الجماعة رسميا، ستجد كثيرين يتحدثون بما قد يكون موقف الإخوان؛ لكنهم سيحرصون على القول بأنهم لا يمثلون الإخوان وإنما هذه آراؤهم الشخصية.

 

وقبل أن أواصل ملاحظاتي من حيث الشكل أود الإشارة إلى أني تأكدت من متابعتي على مدى أسبوع أن قضايا الشكل والتنظيم قد تكون أهم من المضمون، فمضمون الكلام في كل غرفة حق لأصحابه، أما مراعاة الجوانب التنظيمية، فهو ما يوفر الفرصة للمشاركين لتقديم ما لديهم.

 

مع شديد الأسف كانت عناوين النقاش في بعض الغرف تتسم بكثير من العمومية، وبالتالي استمر النقاش في أحدها لنحو 7 ساعات بدون فائدة كبيرة، ولو ركزوا على جزئية محددة في كل نقاش لكان أفضل.

المثير أن أحد منظمي تلك الغرفة تحدث بتأثر عن طول مدة النقاش، وأن هذا أمر مرهق للمنظمين؛ لكنهم يتقبلونه عن طيب خاطر من أجل الوطن، ووددت لو واتتني الفرصة كي أقول له إن امتداد النقاش لكل هذا الوقت هو أول دليل عندي على فشل تنظيم تلك الغرفة، وهو ما تأكدت منه عندما استمعت لنحو ساعتين؛ سمعت فيهما ما كان يمكن إجماله في دقائق، لولا تدخلات وتعقيبات واستعراضات لا داعي لها.

 

كثير من المنظمين أو ما يطلق عليهم "الموديريتورز" (moderators) افتقدوا خاصيتين لا غنى عنهما لنجاح مهمة منظم النقاش؛ وهما العدل والحزم، العدل بمعنى منح الوقت للمشاركة بعدالة ونزاهة، والحزم في تطبيق ذلك، وفي منع أي إساءة أو تجاوز، وبالتالي رأينا البعض يتحدث لنصف ساعة؛ لأنه صديق الموديريتور أو على هواه، وهناك من يقضي ساعات بانتظار دوره في الحديث ولا يأتي.

ولأننا عرب نحب المجاملات، فقد كان لكلوب هاوس نصيب مع الأسف، فبدلا من أن يستغل كل متحدث الوقت لتقديم فائدة، تجده يبدأ بشكر الغرفة وصاحب الغرفة وضيوف الغرفة، وبالتالي يضيع وقت في سخافات ومبالغات لا داعي لها.

وبعد فاصل الشكر، ولأن المتحدث قد انتظر دوره طويلا، تجده في البداية يؤكد أنه سيتحدث باختصار، ولن يفعل مثل من سبقوه ثم يبدأ في الكلام والاسترسال حتى تظن أنه لن يترك الميكروفون، الذي جاءته فرصة الإمساك به بعد طول انتظار.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة