لقاح كورونا بين أهل الفن والشريعة

 

موضوع شائك جدا، وعند الحديث عنه لا بد أن يكون الولوج فيه بعناية وحذر، خاصة أن الأمر يتعلق بمجموع الناس، وليس بآحادهم؛ لذا سيكون جوابي في إطار عام، وسيكون الجواب -مستعينا بالله- في النقاط التالية.

 

كورونا جائحة كبرى

نعم هو كذلك، إنه وباء عظيم ضرب العالم كله، فحصد الملايين إصابة وموتا، ولم يترك بلدا إلا ونال منه، ولم يترك صغيرا ولا كبيرا، ولا رجلا ولا امرأة، ولا غنيا ولا فقيرا، ولا معافى ولا مريضا، ولا حاكما ولا محكوما إلا وأصاب منه. ولا يخفى على أحد أن كورونا، وإن بدا مرضا يحتاج إلى علاج؛ إلا أن الجانب الاقتصادي حاضر وبقوة، كما أن الجانب السياسي لم يغب مطلقا عن هذا الأمر.

 

الكلمة الأولى للأطباء

نعم؛ إن الكلمة الأولى في الحكم هنا للأطباء والمتخصصين، فهم أهل الفن، وتأتي كلمة الشريعة مبنية على ما يقدمه الأطباء من معطيات تبيح للعالم أو الفقيه أن يقول نعم أو لا، حلال أو حرام. ولا شأن للعالم والفقيه هنا بما هو أجود وأحسن، ولا بمقدار الجرعة ووقتها، وما شابه ذلك.

 

 

المسلم يعتقد أن الشافي هو الله

ذلك أنه صاحب كل شيء، وبيده كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، قال تعالى على لسان خليله إبراهيم (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: 80]، ولهذا ينبغي الأخذ بالأسباب والتوكل على من بيده الأسباب، روى الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، يَنْفَعُ الدَّوَاءُ مِنَ الْقَدَرِ؟ قَالَ "الدَّوَاءُ مِنَ الْقَدَرِ، وَقَدْ يَنْفَعُ بِإِذْنِ اللهِ" (حسنه الألباني)، وقد روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدِهِ اليُمْنَى، وَيَقُولُ "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا". فالشافي حقيقة هو الله، والأخذ بالأسباب واجب.

 

الأصل في التداوي المشروعية

وللعلماء في ذلك أقوال، أهمها:

  • وجوب التداوي، قال به بعض الشافعية والحنابلة (مجموع الفتاوى، 24/ 269)، واستدلوا بأدلة منها قوله تعالى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195]، وبما رواه أحمد عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ "إِنَّ اللهَ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ، خَلَقَ الدَّوَاءَ، فَتَدَاوَوْا" (وقال محققو المسند: صحيح لغيره).
  • وقال آخرون بإباحة التداوي والترك أفضل، وهو المنصوص عليه عند أحمد، قالوا لأنه أقرب إلى التوكل. (الموسوعة الفقهية الكويتية، 11/ 117). واستدلوا بحديث المرأة التي تصرع وهو في الصحيحين، وفيه أنها أتته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ" فَقَالَتْ أَصْبِرُ. والذي يترجح لي مما سبق اختلاف الحكم من حال لآخر وشخص لغيره، إذ الأمر يختلف من شخص لآخر ومن مكان لآخر.

ويمكننا القول إن التداوي بين الوجوب والجواز.

  • جائز: إذا كان الأمر فرديا، ويستطيع المرء تحمل آلامه، ولا يحدث منه الضجر -كالمرأة التي تصرع- أو كانت الوسائل المستخدمة غير ناجعة، ومجرد تجارب شخصية لم ترق للحقائق العلمية فهو مباح، وعليه فالترك جائز.
  • واجب: وله صور:

1- إذا إن كان الألم شديدا والمرء قد يعتريه سخط وضجر، وكانت فاعلية الأدوية متحققة بالخبرة والممارسة، وتيقن -أو غلب على ظنه- رفع الداء.

2- ومثله لو كان المرض يتعلق بجائحة عامة، وقد يلحق الضرر بالمجموع إن ترك العلاج والتداوي، كما في مرض الطاعون، وما لحق به من الأمراض الحديثة الفتاكة المعدية، والتي فيها هلاك البشر، فالأمر فيه هو الوجوب.

 

يشترط في الدواء المأخوذ اليقين في إفادته أو غلبة الظن

وهذا يعني أن الإنسان لا يعرض نفسه لتجارب من لا يحسن، وإنما يتداوى عند ذوي التخصص، ويأخذ من العلاج ما كان يقينا فيه الشفاء من خلال التجربة، أو غلب على الظن ذلك.

 

 

اللقاحات وأنواعها

يعرف المتخصصون اللقاحات (المطاعيم أو التحصين) بأنها مواد تحتوي على كمية صغيرة من فيروسات تم تضعيفها، أو بكتيريا تم تضعيفها، أو بروتينات تم صنعها في المختبر وتشبه الفيروسات، بعض اللقاحات تكون حيّة، وبعضها تكون ميتة. يتم إعطاء اللقاحات للناس ليكوّن جهاز المناعة عندهم طريقة لمقاومتها. ((www.altibbi.com .

ولا شك أن اللقاحات أنواع وفق المواد التي تتركب منها، ويحكم عليها وفق هذه المكونات، ويمكننا القول:

  • إذا كان اللقاح من مادة مباحة، ولا يحتوي على مادة محرمة أو نجسة مثل (شحم خنزير أو خمر)، وشهد الأطباء له بالنفع، فهذا جائز أخذه، وقد يكون واجبا إذا رأى الأطباء المتخصصون ذلك.
  • إذا كان اللقاح من مادة مباحة، ولا يحتوي على مادة محرمة أو نجسة مثل (شحم خنزير أو خمر)؛ لكنه يسبب أضرارا، ولا ينفع وفق كلام الأطباء المتخصصين، فهذا لا يجوز أخذه.
  • إذا كان اللقاح من مادة محرمة أو نجسة مثل (شحم خنزير أو خمر)؛ لكنه عولج بطريقة ما، واستحالت إلى مادة أخرى، وشهد الأطباء بنفعه للبشر، فينظر:

1- إذا وجد البديل المباح أخذ الناس البديل المباح، ولا يحل لهم أخذ هذا المحرم.

2- إن لم يكن له بديل جاز التداوي به حتى إن كان محرما أو نجسا؛ لأنه يدخل في باب الضرورة. وقد يكون واجبا إذا رأى الأطباء المتخصصون ذلك.

  • إذا كان اللقاح مادة محرمة أو نجسة ولا جدوى من التدواي به، وقد يعرض الإنسان لخطورة ما -وفق كلام الأطباء المتخصصين- فهذا لا يجوز استخدامه؛ لأنه محرم، ولكونه لا فائدة منه.

 

هل استخدام الأجنة في اللقاحات يجوز شرعا؟

شاع عند البعض أن بعض اللقاحات العالمية يستخدم فيها السقط والأجنة -وهذا غير موجود فيما هو مطروح في أميركا بالمناسبة- والحق أنه هذا كله لا دليل عليه، وهو مجرد أقوال يتناقلها البعض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ لكن هذا، وإن صحّ، يستلزم السؤال هل يجوز استخدام الأجنة في العلاج؟

والجواب على ذلك أن مجمع الفقه الإسلامي ناقش (استخدام الأجنة في زرع الأعضاء)، وقد أصدر قرارته التالية:

1- لا يجوز استخدام الأجنة مصدرا للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر؛ إلا في حالات بضوابط لا بد من توافرها:

  • لا يجوز إحداث إجهاض من أجل استخدام الجنين لزرع أعضائه في إنسان آخر؛ بل يقتصر الإجهاض على الإجهاض الطبيعي غير المتعمد والإجهاض للعذر الشرعي، ولا يلجأ لإجراء العملية الجراحية لاستخراج الجنين؛ إلا إذا تعينت لإنقاذ حياة الأم.
  • إذا كان الجنين قابلا لاستمرار الحياة، فيجب أن يتجه العلاج الطبي إلى استبقاء حياته والمحافظة عليها، لا إلى استثماره لزراعة الأعضاء، وإذا كان غير قابل لاستمرار الحياة، فلا يجوز الاستفادة منه إلا بعد موته بالشروط الواردة في القرار رقم 26 (1/4) لهذا المجمع.

2- لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق (يراجع: مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية عام 1990، وقد تميز هذا المؤتمر بتعاون المجمع الفقهي مع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية).

ومن ثم فإنه لا يجوز استخدام الأجنة ولا السقط في أي عقار سواء كان شرابا أو أقراصا أو كان على سبيل الحقن تطعيما أو غيره؛ إلا إذا كان الإجهاض حاصلا فعلا لا يسعى إليه بأي شكل من الأشكال، سواء كان غصبا أو تحايلا، أو كان طلبا من البعض بالإغراء بالمال، وعلى أن يكون ذلك من مستشفيات رسمية تعترف بها الدولة.

 

الخلاصة

والذي أخلص إليه أن التطعيم إذا قال المتخصصون بفاعليته سواء كان ذلك:

  • من باب تقليل العدوى ومنع انتشار المرض.
  • من باب تخفيف آلام المرض.

فإذا كانت المصلحة في أخذه، ورأى القائمون أن هذا أمر إلزامي، فيجب على الناس أخذه تحقيقا للمصلحة العامة.

وإذا أعطت دولة ما للأفراد حرية الاختيار لظروف هي تراها، فيعود الأمر للمرء نفسه، فإن رأى المصلحة في أخذه فعل، وإن رأى الترك تركه.

 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة