هل جربت أن ترى العالم من الضفة الأخرى؟

 

كثيرة هي الأمور التي نعجز عن فهمها ما لَم نمر بها ونتجرع كثيرا أو قليلا من مرارتها، لقد أدركت عندما دخلت ذلك المكان الغريب أنني جلست عاجزة مرات ومرات عن فهم مشاعر الجالسين على الجانب الآخر من مكتبي، وأنا لا أدري. لعلنا عندما نمرض نحن الأطباء ونزور طبيبا، لا تعترينا المشاعر نفسها كبقية الناس، فنحن نعرف جيدا كيف نصف الأعراض بدقة، وربما في كثير من الأحيان شَخَّصنا المرض، ولا تعدو الزيارة أن تكون طلبا لخبرة المتخصص، ربما من أجل هذا تضيع بعض حلقات الوصل بيننا وبين مرضانا.

 

انتابني سيل من المشاعر عندما دخلت المحكمة، عندما وقفت في الجانب الأضعف من المكتب، جانب الطالب السائل لا المسؤول والمطلوب، في الوهلة الأولى شعرت بحزن غريب، وامتلأت عيناي بالدموع، التي ابتلعتها وأخفيتها عن محاميتي الطيبة، وتظاهرت بالقوة وداخلي يرتجف من الخوف، مع أن القضية التي جئت لحلها بسيطة لا تستحق ذلك، وقفت مبهورة أنظر إلى عالم مزدحم لم أعرفه من قبل. ذكرني الأمر بمرضاي الذين كانوا يجيبونني عندما أسألهم عن مشكلتهم، فيقولون إنها المرة الأولى لي في المشفى، لم أزر طبيبا قط، كنت أتساءل أحيانا بيني وبين نفسي خاصة، عندما يُكرر عليَّ الإجابة نفسها، ويكررها مرافقوه أيضا هل هو سعيد بالأمر ويتفاخر به؟ أدركت متأخرة أن هذه الجملة قد تكون تعبيرا عن الاستياء، عن الحرج، ربما لم يجد غير هذه الكلمات ليصف شعوره بالغربة والخوف، ربما احتاج أن أطمئنه، وأخبره أن الطبيب هنا لمساعدته ودرء ما ينغص صحة مرضاه.

أدركت في المحكمة أن لحظات الانتظار ثقيلة، أن النظر إلى مآسي الآخرين مؤلم، أن الجهل بالنظام المتبَع مربِك، وترقب المجهول مرهِق وطرح الأسئلة محرِج، كنت أعلم أن على الطبيب أن ينصت جيدا إلى شكوى مرضاه؛ لكني لم أعرف أثر ذلك إلا عندما وقفت موقف الشاكي لا المستمِع، فعندما طُلِب مني عرض المشكلة باختصار

لم أعرف كيف أختصر ذلك الكلام الطويل في داخلي؟

لم أعرف بالضبط ما الذي علي قوله؟

وما الذي لا فائدة من التصريح به؟

لا ألوم القضاة، فأنا أعرف جيدا معنى أن تكون الملفات متراكمة فوق المكتب وبالمقابل عليك سماع عشرات الشكاوى في وقت محدد؛ لكن الذي كنت أجهله أن من الصعب اختصار الشكوى. أن تعلم ما الذي يريده السامع بالضبط؛ ليستطيع تشخيص الحالة ووصف الدواء، لا أُخفي أنني كنت أمتعض أحيانا من طول شكوى المريض، وخاصة التي لا أجد في فحواها ما يساعدني على تشخيص الحالة وفق تخصصي، كنت أنزعج سرا من نفي المريض لأحد الأعراض، وذكره في الدقائق الأخيرة من الفحص. أعتقد الآن أن الطبيب الجيد هو من يستطيع جعل مريضه يغادر قاعته مرتاحا، وقد أفضى إليه بما يؤرقه، حُسن الإصغاء مهارة صعبة؛ لكن تستحق المحاولة والاجتهاد والصبر عليها مرة تلو مرة إن كنا حقا نهتم بصحة مرضانا والحفاظ على قلوبهم أن نَحْطِمَها، ونحن لا نشعُر.

 

 

كان والدي -حفظه الله- يأخذ رخصة للغياب عن العمل، ويرافقني إلى المحكمة، كنت أشعر بالاطمئنان بوجوده، حتى في هذا العمر ما زلت أحتاج أبي كما لو كنت طفلة صغيرة، عندما طُلِبَ منه -بكل احترام- أن يغادر قاعة المحكمة وفقا لقانونهم الداخلي، تألمت وضاق صدري؛ بل انتابني شعور الأطفال عندما تتركهم أمهاتهم في الحضانة في أيامهم الأولى، بعدها تذكرت المرات التي لا تحصى التي طلبت فيها من مرافقي المرضى الخروج حفاظا على خصوصية المريض وأسرار المهنة، كم هو مؤلم ألا تعرف حجم الأذى الذي قد تسببه كلمات لا يغلف اللطف كل جنباتها. ربما لو اقتطعت ثوان معدودة فشكرت المرافق على حضوره وتكبده عناء الانتظار بلا سبب، ثم شرحت له لِمَ عليه المغادرة، وطلبت منه الخروج بكلمات يصحبها اعتذار، لو فعلت هذا لغادروا بدون أن ألمح على وجوههم ووجوه المرضى نظرات القلق، التي لم أكن أفهم السبب حينها. بعض التفاصيل الدقيقة المهملَة لا نعرف حقيقة حجمها إلا بالوقوف على الجانب الآخر.

الوقوف على الجانب الآخر، عرَّفَني حجم الحرج الذي يشعر به البعض إذا أراد السؤال، بعض الأمور تبدو بديهية لدى أهل الاختصاص؛ لكنها كالطلاسم لدى العامة. كم مرة بعد خروج المريض يدخل علَيَّ ذووه على استحياء لطرح أسئلة نسِي أو بالأحرى استحيى المريض أن يطرحها عليَّ، أحيانا كنت أستغرب من بعضها، فهي بالنسبة لي من المسلمات؛ لكني أدركت مؤخرا أن ذاك المكتب الذي يفصل بيني وبين مرضاي على صغر حجمه؛ إلا أنه مسافة طويلة جدا تفصل بين تفكيري وتفكيره، بين ما أقوله وما يفهمه، بين ما سأفعله وبين ما يريده حقا، لِذا كان على الطرف الأقوى أن يسير مسافة أطول للوصول إلى الطرف الأضعف، أو لربما كان الطرف الأقوى وحده من يمكنه قطع تلك المسافة الطويلة؛ ليجد الآخر في انتظاره.

الضفة الأخرى غير مريحة، هذا ما اكتشفته وتعلمته، فمهما كانت المسؤولية التي تواجهك صعبة وثقيلة، ومهامك لا تكاد تنتهي، احرص يا عزيزي أن تُشعر الجالس في الجانب الآخر بالأمان، أنه أولويتك في لحظات وجوده، وأنه ليس مجرد رقم بين ملفاتك المتراكمة، حاول أن تستمع للشكوى باهتمام، وجِّهه بلطف ليخبرك بالمفيد، حاول أن تجعل شرحك بسيطا شاملا، ولا تنس أن تطلب منه أن يطرح الأسئلة كيفما يشاء، الأمر صعب جدا؛ لكن لتكن نيتك في كل هذا أنك ما دمت في حاجة هذا الذي أحوجه الله تعالى إليك كان ربُه سبحانه في حاجتك، يقضي همومك ويفرج كرباتك، وتذكر هذا الحديث النبوي اللطيف:

ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له،

أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام،

فاحرص أيها الطيب أن يتركك السائل وليس في نفسه لك حاجة إلا وقد قضيتها، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة