عين المحبة.. في المدح النبوي

لَمَّا كُلُّ شَيءٍ تَجَلَّى
كَانَ هُوَ النَّجِيَّ وَكَانَ الخَلِيلَ
ثَمَّ تَكَشَّفَتِ العُلَى
طَيَّبَ مَنْ لَهُ الحُسْنَى كُلّهَا
طه
بَينَا يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى
لَمْ يَكُنْ إِلَّا الحُبَّ
المَحْبُوبَ وَالمُحِبَّ

"عين المحبة" قصيدة مستلهَمة من رؤيا جليلة رآها النبي الكريم ذات ليلة في المدينة، بعد واقعة الإسراء والمعراج، قصّها على أصحابه في مسجده عليه الصلاة والسلام وعلى آله بعد أن سلّم من صلاة الفجر صبيحة تلك الليلة المباركة، فرواها جمع منهم في الحديث الثابت المعروف بحديث اختصام الملأ الأعلى. وهذه الرؤيا -لمن تَمَعّن معانيها- تمثل قمة للروح الإنسانية، وللنوع البشري، لا تضاهيها قمة، كما سنحاول أن نبين في ضوء تصورنا لمراتب القرب واليقين.

بينما كان يصلي من الليل ما قُدر له أن يصلي، غفا النبي الكريم، وإذ به في حضرة الحق جل وعلا، جمالا وأُنسا، يناجيه، يسأله سبحانه ليهبه، ويدنيه فيباهي به. والمناجاة تشتمل على معنى القرب، كما في قوله تباركت عزته (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)، كما تشتمل على معنى الاختصاص والبوح بالسر.

ويتسع للمناجاة مقامُ الخلة ويزدان بها؛ إذ الخليل يَخلُص إلى خليله ليناجيه. والخُلة في حق العبد تدور على تمام الافتقار إلى الغني الكريم، والاستغناء به عن غيره، وتخلي القلب عن كل ما يشغله عنه، فتتمكن محبته تباركت أسماؤه من قلبه. أما في حق الرب سبحانه فمدارها على الرحمة، في أخص خصوصها وأعم عمومها، محبةً من الله أيما محبة، واختصاص الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام برحمة الله، مثلا، هو عين عمومها. ويدخل فيها قول المرسَل رحمة للعالمين "أنا دعوة أبي إبراهيم".

و"المرء على دين خليله"، كما ورد في الخبر عن الصادق المصدوق، الذي أخبر كذلك في عجيب من جوامع الكلم أن "الدين حسن الخلق"، فيتصف العبد في سمو مقام الخُلة بصفات الكمال كلها -كما يليق له من أن العبد عبد والرب رب- ويتشرّبُها قلبُه في تجلياتها له فيتحلى بها، وقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري" إلى آخر دعاء الفرح. وإذ لا نقف على موضع آخر سأل فيه النبي ربه بكل أسمائه، ما علم منها وما لم يعلم، وهي أسماء مفهومها صفات الكمال كما هو معلوم من الكتاب، يجدر بنا أن نستحضر وصفه لنبيه (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).

قصيدتنا، المنظومة شعرا حرا على بحر المتدارَك من بحور الشعر، جاء في مطلعها "كان هو النجي وكان الخليل"، والمقصود مفهوم المناجاة ومفهوم الخُلة المذكوران، كما يمكن أن يُحمل المعنى على أن محمدا كان إبراهيم وكان موسى -صلوات الله وسلامه عليهم- على سبيل المجاز، إذ قد بلغ خاتمُ النبيين مقامات مَن تقدمه من الأنبياء والأولياء في ترقيه.

ونذكر هنا أن الكتابة الشعرية، من حيث إنها عمل فني، تقبل رؤى متعددة في حدود ما هو ممكن لغويا، وما منظور كاتبه إلا جانب منها، فالقارئ شريك في صناعة المعنى.

أما مقصودنا بالحسنى في "طَيّبَ من له الحسنى كلها طه"، فالأسماء. والمعنى أن الله الذي له الأسماء الحسنى طَيّبَ أي حسّن (في أحد معانيها الثلاثة المرادة هنا) شمائل النبي حينا بعد حين، حتى يبلغ به المقام المحمود الذي لا ينبغي إلا لعبد من عباده.

وطه اسم علَم شاع إطلاقه على نبينا محمد، لما بدا في القرآن من أنه خطاب له، ومعناه إنسان كما ورد عن بعض التابعين. وهذا المعنى يضفي على "طَيّبَ" معنى التكريم لآدم عليه الصلاة والسلام وبنيه، ومن هذا التكريم تعليمه الأسماء كلها، بعد أن تعجبت الملائكة من هذا الخلق الجديد (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)؟ وهو جانب من اختصام الملأ الأعلى المذكور في سورة ص.

ويا لها من ملَكة تلك التي تَعلّم من خلالها أناس مِن بني آدم -كأنبياء الله وأوليائه- مِن أسماء الله الحسنى وتجلياتها في العالَم ما هو داخل في رد الله جل وعلا على ملائكته (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). ويمكننا أن نحمل "مَن له الحسنى كلها" على أنه الرسول الكريم؛ فيكون المعنى أنه عليه الصلاة والسلام طَيّبَ بأن حسّن وتمّم مكارم الأخلاق في تجليها فيه أكمل ما تتجلى في بشر، وبتزكيته وتعليمه أمة من الناس يسقون من مَعين عينه.

سأل اللهُ تباركت عزته نبيه في الرؤيا، 3 مرات، عن اختصام الملأ الأعلى (والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون)، وفي كل مرة يجيب النبي أنه لا يدري. ثم تلا ذلك حينٌ من القرب الإلهي هو للإنسان بالدهر، عبّرنا عنه شعريا بمعنى "عطّر" الذي تحمله "طَيّبَ"؛ أي عطّر اللهُ الذي له الأسماء الحسنى محمدا حتى فاح عَرفا.

هنالك تجلى كل شيء للنبي الكريم، معرفة وعرفانا، عَلِم ما في السماوات والأرض، كما في بعض الروايات؛ أي مما شاء الله له أن يعلم، وقد عبّرنا عن هذا بـ"ثَم تكشفت العلى". والمقصود بالعلى السماوات، إشارة إلى السماوات والأرض، وقد ورد في بعض الروايات أنه تلا (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ). واليقين مراتب ثلاث. منها علم اليقين، وهو علم يورِث رؤية قلبية، أو بصيرية، تصدّقها المشاهدة العملية التي هي مرتبة عين اليقين.

ويظهر هذا جليا في قصص إبراهيم عليه الصلاة والسلام، من تدرجه مع قومه في النظر في الأجرام السماوية، ومشاهدتها تأفل بعد طلوعها، وصولا إلى أن وجّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض على هذا النظام، إلى طلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، إلى غير ذلك. وبالجملة فالذي يظهر هو أن ثنائية الملكوت (عالَم الغيب) والمُلك (عالَم الشهادة)، تقابلها على الترتيب ثنائية علم اليقين وعين اليقين.

أما مرتبة حق اليقين، فلم نقف فيها على قول شاف، فكثير من العلماء يشرحها بانتقال العبد من العلم السماعي (علم اليقين) والمشاهدة العينية (عين اليقين) إلى الذوق. (كأن تسمع مثلا من صديقك برياضة التزلج على الرمال، ثم تشاهده يتزلج أمامك على الرمل، ثم تذوق بنفسك طعم التزلج على الكثبان).

لكن سياق ورود حق اليقين في سورة الحاقة يشي بغير ذلك، فالله عز وجل يخبر، بعد أن أقسم بما نبصر وما لا نبصر، أن ما أخبر به في التنزيل حق اليقين. والذي يتضح من النظر في رؤيا اختصام الملأ الأعلى، لا سيما قوله عليه الصلاة والسلام "وتجلى لي كل شيء"، أنه في حين القرب أدرك من المخلوقات والمعلومات بنور الخلاق العليم، فذلك هو حق اليقين.

كما نقصد بالعلى الدرجات إشارة إلى الدرجات والكفارات التي أجاب النبي بها عندما سأله الله مرة أخرى، فيم يختصم الملأ الأعلى. أما الكفارات، كما أبان عليه الصلاة والسلام، على تفاوت في الألفاظ المروية وتقارب في المعاني، فهي نقل الأقدام إلى الجُمعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات. وأما الدرجات فهي إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. وقد أفاض الشراح -مثل ابن رجب في "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى"- في بيان أبعادها والغوص على دررها، فنُحيل القارئ على أمثالها. ثم أمره سبحانه، بل علمه أن يدعو.

فدعا -صلى الله عليه وآله وسلم- بدعوات مدارها على الحب، لا سيما حب المساكين وحب الله. وهو ما عبّرنا عنه ختاما بـ"لم يكن إلا الحب، المحبوب والمحب". وقد ورد في معنى قوله تباركت أسماؤه (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) إلا ما أُريد به وجهه. وهل إرادة وجه ذي الجلال والإكرام شيء غير المحبة؟.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة