logo

مصطفى رياض باشا الذي كرهه الفرنسيون

 

نبدأ الحديث عن مصطفى رياض باشا 1834-1911، بداية ثاقبة بما تعنيه كلمة ثاقبة من المعاني، فنذكر ما نؤمن به -بعد دراسة- من أن كل مشكلته في السياسة؛ أنه كان خصيما للفرنسيين لأسباب سيدركها القارئ أثناء قراءة سيرته، وذلك على خلاف ما كان الفرنسيون يتمتعون به من الدلال على نوبار باشا، الذي كان من بدايته ربيبهم، وشريف باشا الذي كان زوجا لابنتهم، وعلى مبارك الذي تعلم في بلادهم .. إلخ، ولهذا السبب فقد حظي رياض باشا بكل ما أمكن للفرنسيين أن يشوهوا به صورته حتى عند مواطنيه المصريين، وحتى أن مكانته السياسية أصبحت مطلوبة للاغتيال والتشويه قبل الثورة العرابية، مع أنه استقال من رئاسة الوزارة، التي لم تشهد الاستقرار إلا على يديه، وحل محله شريف باشا مشترطا على العسكريين مرة بعد أخرى ألا يتدخلوا في الحكم؛ لكنهم سرعان ما تدخلوا، فاستقال هو الآخر.

ومن العجيب أن هذه الجزئية الواضحة في الحدود والمعالم والبدايات والنهايات، تكاد تكون غائبة تماما عن أذهان المثقفين المصريين والعرب، فقد وصل تشويه الكتاب الفرنسيين (ومن ينقلون عنهم) لرياض باشا، إلى الحد الذي قال عنه القنصل الفرنسي "إنه أسوأ من الأرمني" يقصد نوبار، وكانت كلمة الأرمني في ذلك الوقت أشبه ما تكون بالتعبير عن سمة فظيعة. ومع هذا فقد كانت الدولة العثمانية بتسامحها وسموها تتيح الفرص للأرمن ولرياض وللقنصل الفرنسي، كما تتيح لهم أن يتكلموا في السياسة على مثل هذا النحو.

 

اشتراكه في السعي لعزل الخديوي إسماعيل

من العناصر الخفية في جوهر كراهية الفرنسيين لرياض باشا أنه كان من الذين سعوا في عزل الخديوي إسماعيل، في الوقت الذي كانت فرنسا قد أوشكت فيه على السيطرة التامة على مصر، وهذا أيضا هو السبب غير المُعلن لتحمس بريطانيا إلى المسارعة في احتلال مصر في 1882، قبل أن تسقط مصر في يد فرنسا، وقد كان المجيء بالخديوي توفيق نفسه بمثابة خطوة ممهدة للاحتلال الإنجليزي، الذي لم يكن على وفاق مع الخديوي إسماعيل بالقدر الذي كان فيه الفرنسيون على وفاق معه.

 

محدودية رؤيته تجاه المؤامرة البريطانية

وهكذا نستطيع أن نفهم من هذه الإجراءات المضطربة، التي تمت بدءا من عزل الخديوي إسماعيل في 1879، وانتهاء بالاحتلال البريطاني في 1882، وبين هذا وذاك فقد قامت الثورة العرابية، فأدت ما عليها، مما تؤديه الثورات من دور وطني وإيقاظ وتنبيه؛ لكن الثورة نفسها لم تنتبه بالقدر الكافي إلى عناصر كثيرة من عناصر المؤامرة، فتم الإيقاع بها، ومن هذه المواقف المؤامراتية ما قد نعتبره الآن أبرزها؛ و هو المؤامرة التي تتمثل بجلاء لا لبس فيه بخيانة ديليسبس للمصريين، وخداعه لهم لصالح البريطانيين، وبالطبع فإن هذه الخيانة وجدت ما يصادفها في أخلاق ديليسبس غير المتينة من ناحية، وفي عدائه الغريزي للمصريين بأكثر من عدائه للبريطانيين من ناحية أخرى، وحساباته التي وجدت أن بريطانيا قد رسمت خطة أكثر نجاحا من خطة بلده فرنسا في الاستيلاء على مصر، ومن العجيب أن البريطانيين يشيدون بديليسبس ودوره الذي أداه لصالح بلده فرنسا، على حين يعتبره الفرنسيون مشبوها، أو فلنقل إنهم ينظرون إليه على الأقل أنه ليس فوق مستوى الشبهات.

 

كان يرى الأمور من منظار بيروقراطي

لم يكن رياض باشا نفسه واعيا لمثل هذه الحقائق، وبالطبع فلم يكن عرابي باشا وزملاؤه واعين لها؛ لكن رياض باشا كان يرى الأمور من منظار بيروقراطي حاد الزوايا، إن صح هذا التعبير، ولهذا فإنه لم يستوعب الثورة العرابية، ولم يستوعب قبلها المطالب النيابية، ولا استوعب بعدها أسلوبا أمثل ولا أجدى للتعامل مع المحتل؛ لكنه مع ذلك، وفي كل الأحوال لم يكن خائنا، وإنما كان أقرب إلى أن يكون أمينا نزيها مخلصا مصلحا طموحا راغبا في الخير والتقدم، محبا للوطن وللإسلام على نحو ما سنرى من سيرته وتعاقب الحوادث فيها.

 

مكانته في تاريخ حقبته

كان مصطفى رياض باشا (1834-1911) ثالث أفضل رئيس وزراء في مصر ما قبل ثورة 1919، وليس في ذلك جدل كبير ولا قليل، ونحن نعرف أن شريف باشا يحتل المرتبة السامية في وجدان المصريين؛ بسبب جهوده ومواقفه على حد سواء، حتى أن المؤرخين الأجانب يرون أنه قد نال من حب الشعب أكثر مما يستحق، بيد أن هؤلاء قد فاتهم أن أيا من الآخرين لم يصل في جهده وتوجهاته وخياراته إلى ما وصل إليه شريف باشا.

 

مقارنته برؤساء الوزراء في حقبته

وإذا كان هناك من هو تال لمحمد شريف باشا في الأفضلية، فإنه مصطفى رياض باشا، فهو يتفوق على إسماعيل راغب باشا، و على مصطفى فهمي باشا، وعلى حسين فخري باشا، كما أنه يتفوق بمراحل على بطرس غالي، ولا وجه للمقارنة بينه وبين نوبار، الذي لم يكن رئيسا للوزراء بقدر ما كان مندوبا للمستعمر أو المستغل الأوروبي، أما الذي يسبق شريف باشا وبالطبع يسبق مصطفى رياض باشا في الأفضلية، فهو الشاعر العظيم محمود سامي البارودي، الذي كان رمزا لكل شيء جميل، حتى إن كانت مدة رئاسته للوزارة قصيرة؛ لكنه قبل كل شيء رمز للفكر والشعر والوطنية والأصالة والجمال والشجاعة والتضحية والفداء. وقبل هؤلاء الرؤساء الثمانية، فإن هناك شخصية وزارية قديمة كانت أكبر بكثير من أن تكون في موقع رئيس وزراء، وهو علي مبارك باشا، الذي صنع وجه مصر الحضاري في العهد الخديوي من خلال وزارات الأشغال والمعارف والأوقاف، التي تولاها جميعا بعيدا عما يسمى بالوزارات السيادية، وبعيدا عن الرئاسة الشكلية أو البروتوكولية.

 

مقارنة رياض باشا بعلي مبارك باشا

ربما يدعونا هذا المدخل إلى سؤال أنفسنا ماذا كان ينقص مصطفى رياض باشا ليكون في المكانة الفكرية ندا لعلي مبارك باشا؟، و الإجابة بسيطة، وتكمن في كلمتين هما التعليم والتنوير، فقد قضى مصطفى رياض باشا حياته كلها موظفا يترقى بعد أن يلم بكل شيء من خلال مواقع مثالية، خاضها كلها بأمانة وشرف واجتهاد وتفوق وتجويد؛ لكنه لم يتلق ذلك المستوى المتفوق من التعليم والتنوير اللذين تلقاهما علي مبارك باشا، واللذين كانا كفيلين له بأبعاد أخرى في شخصيته تتخطى الأزمات التي مرت بها مصر و مرّ بها هو نفسه في تاريخ صعوده السياسي الواثق والمتّقد.

من الجدير بالذكر هنا أن مصطفى رياض باشا بحكم بداياته المبكرة في خدمة الحكومة المصرية كان سابقا بدرجة ما علي مبارك باشا، الذي يكبره في السن بعقد كامل، وذلك لإن علي مبارك قضى شطرا من حياته في التعلم بمصر وباريس، ولم تبدأ علاقته بالمناصب العليا إلا بعد رياض باشا.

 

إخلاصه لمصر

كان مصطفى رياض باشا مخلصا لمصر والمصريين، ولهذا فإن اسمه وقع بسهولة (على يد الأجانب الذين لا يحبون مصر) في مأزق كراهية من لا يقدرون عمله، وانضباطه، وكان الكتاب والمؤرخون الغربيون على رأس هؤلاء، من الذين لا يريدون من مصر إلا الحليب والطاعة، وقد كان من هؤلاء أيضا -للأسف الشديد- العسكريون المصريون، الذين جبلوا وتربوا على طاعة القوى بأكثر مما تربوا على طاعة المخلص، وهكذا فإنهم وجدوا في إطاعتهم لأوامر مصطفى رياض باشا ما ينتقص من قدرهم؛ إذ لم يكن مصطفى رياض باشا متسلحا بالسلاح الذي يقتلهم به، والدليل على ذلك أنهم سرعان ما أطاعوا الإنجليز لا لشيء إلا لأنهم كانوا يملكون السلاح.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة