logo

كيف نفهم النحاس باشا؟

 

نجح مصطفى النحاس (1879-1965) في الفترات التي تولى فيها المسؤولية التنفيذية ما بين 1924-1952، ومنذ توليه زعامة الأمة في 1927، نجاحا ساحقا في أن يحافظ على شعلة الوطنية متقدة متأججة، وأن يطور الحياة في جوانب الحضارة المختلفة، وقاد شعبه إلى تقدم مدروس ورقي محسوس.

وقد عاش حياته كلها من أجل الحرية، وحكم الشعب، ومن أجل الدستور المنظم لهذه الأهداف النبيلة، وقد اختلف الكتاب والمؤرخون في أكبر إنجازاته؛ لعلها معاهدة 1936، وربما يكون إلغاء هذه المعاهدة في 1951، وربما يكون قيادته وتوجيهه للكفاح الشعبي عقب إلغاء المعاهدة ومعركة القنال، وربما يكون إلغاءه الامتيازات الأجنبية من خلال مؤتمر "مونتريه" 1937، وربما يكون هو معركة الشرطة في 1952؛ بل ربما تكون 23 يوليو/تموز 1952 نفسها من إنجازاته، فهو الذي جهز كوادرها بمعاهدة 1936 في الكلية الحربية، ومهد لها الأرض بإلغاء المعاهدة، وأجرى في دماء الشعب وشبابه الوطنية، التي كفلت التجاوب مع الثورة ونجاحها.

وقد ظل النحاس على مدى تاريخه السياسي متمتعا بحب الشعب، وثقته المتجددة، وكانت انتخابات 1949، التي أعلنت نتائجها مع مطلع 1950 بمثابة الاستفتاء الانتخابي الأخير، الذي أثبت للناس جميعا أن النحاس ما يزال في قلوب الشعب وأفئدته، ولو أن الظنون والأراجيف، التي انتشرت قبل الانتخابات، كانت تصدر عن أي قدر من الصواب لما كان الوفد قد حصل على 50% من مقاعد البرلمان على أكثر تقدير؛ لكنه لحسن الحظ حصل على ما يقرب من 100% من هذه المقاعد، وهو إعجاز كبير لا يدل على عظمة النحاس فحسب؛ لكنه قبل هذا يدل بكل وضوح على عظمة الشعب.

أما الاستفتاء الشعبي الأخير، الذي أعلن عن حب الشعب للنحاس، فكان هو جنازته التي لم تشهد القاهرة حتى وقتها مثيلا لها. وقد ظل النحاس باشا حتى في شيخوخته واعيا لكل حقائق التاريخ، فهو -في رواية صلاح الشاهد- رفض أن يتسلم معونة مالية قررها الرئيس عبد الناصر من المصروفات السرية، وأبى أن يتقبلها؛ إلا أن تكون مسحوبة بـ"شيك" من حسابات الحكومة.

 

حين قاطع الانتخابات المزورة

رغم أن انتخابات 1938 و1944، التي ابتعد عنها الوفد، وقاطعها، أسفرت عن برلمانات غير وفدية، فإن هذه البرلمانات نفسها كانت تعلم علم اليقين أنها قد استلبت الوفد والشعب حقوقهما، ومع أني لا أقلل أبدا من شأن هذه البرلمانات ورجالها وقراراتها، فإن الحق الذي لا مرية فيه، أن افتقاد هذه البرلمانات للتمثيل الوفدي كان نقطة ضعف خطيرة في تكوينها، مهما قيل عن نجاحها في أداء وظيفتها البرلمانية، سواء في الرقابة والتشريع، والأمر بهذا عندي شبيه بالأطراف التكميلية والأجهزة التعويضية، التي تستكمل الشكل وتؤدي بعض الوظيفة باقتدار؛ لكنها تفتقد الطبيعة والتكوين الحي، الذي لا بد منه إذا ما أردنا حياة جيدة سليمة.

 

وضع رجال القصر الملكي في حدودهم الطبيعية

وعلى الرغم من السطوة، التي كان يمارس بها رجال القصر الملكي نفوذهم على رؤساء الوزارات المتعاقبة، فإن النحاس باشا استطاع على الدوام أن يضع هؤلاء في حجمهم الطبيعي بدون أن ينخدع بتوددهم المبكر، أو محاولتهم استدراج الوفد إلى قبول مبدأ مشاركة القصر في الحكم، وعلى سبيل المثال، فإن النحاس كان يجيد التعامل الأبي والذكي مع محمد توفيق نسيم في عهد الملك فــؤاد، كما أنه وقف لعلي ماهر بالمرصاد طيلة الفترة التي عمل فيها رئيسا للديوان، أما أحمد حسنين فكان أذكى وأضعف (معا) من أن يصور نفسه خصما مباشرا للنحاس وزعامته، وهكذا اقتصرت أدواره على العمل في الخفاء، حتى إن كان هو الخفاء المعلن، أما حسين سري، فقد رأس الديوان في فترة كان الملك فاروق نفسه أقرب ما يكون إلى بنوة النحاس، الذي حاول بكل ما يستطيع أن يحل له مشكلاته مع والدته، ومع شقيقاته، وأما حافظ عفيفي، فقد جاء حين كانت شمس القصر قد آذنت بالمغيب؛ لكن علاقته بالنحاس في تلك الفترة المحدودة كانت أقرب ما تكون إلى الاحترام المتبادل.

 

تحمل سخافات الأقليات 

وقد تحمل النحاس طوال حياته سخافات لم يكن غيره ليتحملها من زعماء الأقليات المختلفة، وكانت الجماهير تعي حجم مثل هذه المواقف، وتصور زعيمها النحاس على أنه جبل قادر على تحمل كل هذا، ولا يتسع المقام لذكر قصص كثيرة دالة على ما عاناه النحاس على مدى تاريخه؛ لكننا نكتفي بهذا المقام أن نروي أن النحاس كان من باب اللياقة قد رأى دعوة كل من إسماعيل صدقي باشا، ومحمد محمود باشا، وعبد الفتاح يحيى باشا إلى حضور الاجتماع، الذي دعا إليه أعضاء الجبهة الوطنية، للنظر في موضوع مؤتمر الامتيازات وموقف الأعضاء المصريين؛ لكن هؤلاء الزعماء الثلاثة رأوا الفرصة مواتية لهم ليظهروا ضيقهم من أداء الوزارة الوفدية، وليؤججوا الخصومة بينها وبين المعارضة، فآثروا أن يظهروا أنفسهم غير راغبين في التعاون مع النحاس والوزارة الوفدية، ورأوا أن يأخذ هذا الرفض صورة سخيفة، فأرسلوا بردهم على دعوة النحاس باشا مع سائق سيارة محمد محمود باشا؛ لكن تصرفات كهذه جعلت أصحابها يبدون في صورة السائق، على حين بقيت للنحاس صورة الزعيم الخالد لا القائد العظيم فحسب.

 

حريق القاهرة مؤامرة للتخلص من الوفد

وقد أشرنا في كتابنا "نحو حكم الفرد" إلى أن الرئيس، محمد نجيب، قد ذكر رأيه في حريق القاهرة بكل الوضوح، وأنه كان ينحاز للرأي القائل بأن الحريق كان مؤامرة دبرها الملك بالاشتراك مع عملاء الإنجليز للتخلص من الوفد، وهو رأي حصيف؛ لكن عهدا الملكية والثورة اجتمعا، للأسف ـ على عدم الانتصار له.

وبوسع القارئ أيضا أن يعود إلى مذكرات مرتضى المراغي، التي تناولناها في كتابنا "على مشارف الثورة" ليتأمل أدلة قوية، وقرائن حقيقية يقدمها المراغي -وهو وزير الداخلية في أعقاب الحريق- للتدليل على صواب هذا الرأي، الذي كان الرئيس نجيب يميل إليه بحكم فهمه، هو الآخر، لما حدث، وقد روى المراغي ذكرياته عن ذلك اليوم، ثم قال:

"… أعتقد أن الملك وحاشيته بالاشتراك مع عملاء الإنجليز حاولوا خلق موقف حرج للوفد حتى يتمكنوا من طرد النحاس وحكومته ويعطلوا البرلمان، ويعينوا وزارة تطيع الملك".

 

خالد محيي الدين ينتقد موقف 23 يوليو/تموز من النحاس

ومن الإنصاف أن نشير هنا إلى تعليقات خالد محيي الدين على موقف الثورة في أول عهدها من النحاس باشا، وهي تعليقات تنصف النحاس وتدمغ الثورة، وقد وصل خالد محيي الدين في مذكراته أن وصف اعتراض سليمان حافظ على النحاس وزعامته للوفد، كان "خطوة مبالغا فيها، فقد كان مصطفى النحاس بكل المعايير زعيما وطنيا مرموقا".

 

الناصري ضياء الدين داود يترحم على ديمقراطية النحاس

وفي مذكرات القطب الناصري، ضياء الدين داود، فقرة يترحم فيها، وهو واحد من أقطاب عهد الثورة، على ديمقراطية النحاس، بعد أن يروي ما حدث في مجلس الأمة (في مايو/أيار 1971) من إسقاط العضوية عنه وعن زملائه على مدى صفحات ليست بالقصيرة، ويقول "ولعله ما زال ماثلا في الذاكرة أن مكرم عبيد حين قدم الكتاب الأسود ضد الرئيس السابق مصطفى النحاس ورجال حكمه، وكان البرلمان وقتذاك مكونا من أغلبية ساحقة وفدية، وكان النحاس مؤيدا تأييدا كاسحا من الشعب، بحيث كان المجلس يملك اتخاذ أي قرار يراه".

"ومع قسوة ما تضمنه الكتاب الأسود من اتهامات، فقد ظلت المناقشات طويلة ومثيرة بالبرلمان، أياما، تحدث خلالها مكرم عبيد ومؤيدوه بأكثر مما تضمنه كتابه الأسود، وذلك قبل أن يتخذ المجلس قرارا بإسقاط عضويته؛ ولكنه لم يتخذ إجراء فيه من الانحراف بالحياة البرلمانية والاستخفاف بالعقول، كإجراء إسقاط عضويتنا من المجلس، الذي سوف تلاحق لعنته كل من ساهم فيه على مدى التاريخ».

وقد عبر ضياء الدين داود بصدق عن مدى حب الجماهير لهذا الزعيم، بحيث بدا له، وهو يحاور أقرب الناس إليه، وكأنه يدعوه لتغيير دينه.. ثم هو يزيد هذا المعنى إيضاحا، فيقول، وهو القطب الناصري، إن كل الأساليب لم تفلح في إيقاف تيار الوفد الجارف، وهي شهادة لم يعطها ضياء الدين داود نفسه لعهد عبد الناصر.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة