نحوَ ربيعٍ تَـربوي.. طالَ انتِظـــاره !

 

الثَّورة الوحيدة التي أُجِّلَت، ووُئِدَت في الوطن العربي منذ بواكير عصر الطهطاوي وأضرابه من سادَة النهضة العربية هي الثورة التربوية.. والربيع الذي ما عِشناه بَعد، هو الربيع التربوي.. !

لا تُغنِي الكُتُب والدوريات والمقالات والسِّجالات التي شهِدتها الساحة العربية منذُ بَدء انفصام الإصلاح المؤسساتي عن الإصلاح العلمي والفكري والتربوي في التهدئة من انزعاجِ الوجدان العربي مِن غيابِ "ربيع تربوي" و"ثورة تربوية وثقافية" من شأنِهما إحداث انتِقالةٍ حقيقية وبانية في الوضع والمسار، وضمان الاستمرار الثَّقافي للأجيال، واستِئناف العرب لدوْرهم في التَّاريخ.

غريبٌ حَقَّا أنْ لا تَحْظى أزيد من 600 صفحة من "مقدِّمة" المؤرِّخ عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406) بالعناية والفَحص اللّازِمين، وقَدْ جَعلَ فُصولها في "الصناعة العلمية"، آتياً على ذِكْر قواعد ومناهج في العملية التربوية والتعليمية، وذاكِراً أُسس العلوم في الحضارة العربية الإسلامية، وناقِداً طرائق التدريس في الغرب الإسلامي، ومُحذّراً من مَغبَّة إعطاء الأولوية للسياسة على حِساب العلم والعقلانية..؛ وغريبٌ أنْ تُعدَم أحلامُ محمد عبده (1849-1905) في ثورة تربوية وإصلاح اجتماعي كَرَّسَ لهما أثمَن أوقاته، ولم يَدَّخِر وُسعا بَدَنيا وذهنيا فيما يَخدم الترقِّي الاجتماعي والإصلاح التربوي للأمّة، والأغرب منه أنْ لا يُــفِيدَ إرثُ تراثنا التربوي والعلمي الضَّخم (من الطهطاوي وقاسم أمين شَرقا، إلى المختار السوسي والطُّرنباطي غرباً) من التحقُّق الموضوعي في الميدان العربي والمغاربي المعاصِر، والذَّاتي في الإنسان، فيكونُ بهذه الإضاعَة _ واقعُنا _ كالحارِث في الماء، والضائع في حَقل الشُّوفان، لا يَأخذُ مِن "الأصالة" ما به يَستنِد، ويحتمي ويَرِجع عند الضَّرورة ويَعتَمِد، ولا مِن "المعاصَرة" ما يَجعله قادرا على المنافسة في السوق التربوية والتعليمية والثقافية العالَمية.

قَبل عامين ونِصف؛ أصْدَر الكاتب المغربي حسن أوريد (1962 – ) أطروحة تربوية جديدة، صَرخة رزينة ومتولِّعة مِن أجل إحداث ثورة ثقافية – تربوية بالمغرب، دَعامَتها إصلاح تربوي ناهِض وتنوير ثقافي قاصِد، وإبصارٌ لأمداء المُستقبل المغربي والعربي أين يسير..؛ وقَبله بسنوات؛ أصدَر الأستاذ محمد يتيم (1956 – ) أطروحَـته حول نَظرية الإصلاح الثقافي، كمَدخل تَكامُلِيٍّ مع المداخل الرافِدة للإصلاح العام وطنيا وعَرَبِيا، وبين هذا وذاك؛ كَتَب الأكاديمي الأمريكي (سيث غودن seth godin) ثائرته التربوية في عِزّ ربيع العرب (Stop Stealing Drems) سنة 2012، مُحِضّا على وجوب إحداث انعطافة تربوية كونية. وقَبل هؤلاء وغيرهم؛ أرْفَد المفكر المغربي اللامع محمد عابد الجابري (1933-2010) المكتبة العربية بمؤلفات في هذا الباب، أهمّها "أضواء على مشكلة التعليم بالمغرب"/1973، و"من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية"/1977، و"المسألة الثقافية"/1999، ووجَّه بوصلة السير التربوي منذ بواكير الاستقلال بمقالاتٍ مُطوَّلة في مجلات ودوريات وطنية وعربية، وأعانَ مؤسسات التنشئة الاجتماعية وأسرة التعليم ومهندسي الشأن الثقافي ببلادنا على فَهم طبيعة ومتغيرات الخطاب التربوي ومُستَلزَمات كل مرحلة، وحاجاتنا الدائمة إلى التغيير والتطوير والتّثوير، ووَضَع زُبدَة آراءه في المسألة التربوية في سلسلة (مواقِف؛ شهادات وإضاءات)، وبالأخص العددين النادِرين (14)و(15) في موضوع "التعليم في مسار متعدِّد الأوجه"، فضلا عن عشرات الحوارات الثَّمينة مع صُحف ومجلات وقنواتٍ إعلامية لبنانية وسورية وتونسية وسعودية ومغربية.

ومِن جِهته؛ أعلَنَ غيرَ ما مُناسَبة الدكتور المحتَرم الخبير التربوي محمد الدّرِّيج (1949 – ) ضرورةَ إحداث ثَـورة في التَّعليم وإطلاقِ ربيعٍ تربوي في التربية والتكوين..؛ وغيره من رموز الفِكر والثقافة والأدب، ممن يحملون في الصدور والعقول غَيْرَةً صادِقة على الأوطان، ومصائر الأجيال، ويَعَون تحدّيات التخلُّف والجَهل ومآلاتِهما علينا راهِناً ومُستقْبَلا، وما يُمكِن أنْ نجْنِيهُ من ويلاتٍ جرّاء انهيار منظومة القيم والتربية وضُعْفِ التأهيل والتّنخيب في صفوف الناشئة.

واليوم؛ ربيع الشعوب يَدخُل عُشريته الثانية، وبلاد العرب تتغيَّر، وثوراتٌ مُضادَّة هنا وهناك تقصِمُ قافلة الجمَل بما حَمل، وتُعيدنا سنواتٍ إلى عهد التفكُّك والتخلُّف والأمية، وثورات بلا قيادات هنا وهناك تَنشُد التأثير على صُنّاع القرار لاتخاذ (قرار تَربوي) يُنقِذنا مما لا نستطيع احتماله من وقائع وفواجع حولَنا، وإنْ كان الشأن التربوي والثقافي أجَلُّ وأخطَر من أنْ يُصنَع ويَنجح بمجرَّد "قرار" حكومي أو وزاري أو قِطاعي أو مؤسساتي..؛ فلِأَنَّه مرتبطٌ بتاريخ الذهنيات وبِنية التاريخ، ولأنه يستهدِف الإنسان، وقد {كان الإنسان أكثَر شيء جَدَلا}، ولأنه كذلكَ يحتاج لدراسةٍ وإراداتٍ وطنية وإعمالٍ للجُهْدِ التكامُلي بين الدولة والمجتمع والإعلام، واستحضار لما تَختَزِنه قِيمنا ودينُنا من حَضٍّ على القراءة والتعلُّم وإعلاءٍ للتربية الوالِدية والاجتماعية والـمَدْرَسية، في أفُقِ إحداثِ "تغيُّرٍ في السلوك إلى الدرجة التي تُمكّن الإنسان مِن الإسهام الفعّال لتحقيق حاجات الحاضر، ومواجهة تحدّيات المُستقبل، وتسخير موارده، وخبرات الماضي، عبر رحلة النّشأة والحياة والمصير" بتعبير الدكتور والمؤرخ التربوي الأردني ماجد عرسان الكيلاني (1932-2015).

وأمام تزايُدِ تحدّياتِ الرَّقْـمَنة وتأثيرات وسائل تكنولوجيا الاتصالات الـمُعاصِرة على مؤسسات التنشئة الاجتِماعية التَّـقليدية (الأسرة، المدرسة، المجتمع المدني)؛ وانعِكاساتها الظّـاهِرة على السلوكات والقيم في الفضاء العمومي، والأخطَر، على المُستوى التربوي؛ تجاوُزُها لأنماط التعليم ولأدوار الـمُربِّين، بمــا يجعَل مَطْلَب الانتِقال من حالة التّرميم البطيء لإشكالاتِنا التربوية إلى حالة الثورة وفِعْل الثورة التربوية؛ أمْراً ذا مِلحاحية، وقضية يجبُ أن تتَصَدَّرَ جدْوَل أعمال الـحكومات والجامعات ومنظّمات الـمجتمع المدني الـعامِلة في الميدان التربوي وكل الـمتدخِّلين فيه.

أملُنا أنْ يتكاثَرَ الـمُلتَفَّون حول هذا الـهَمِّ التربوي لإنجازِ ثَورةٍ لم تتَمَّ في مُعظَم دول وطننا العربي منذُ عقودٍ، وأنْ يعِيَ أولياء الأمور أنَّ على عاتِقهم أداء أعظم الأدوار؛ تربية الناشئة خيرَ تربية؛ فالتربية هي كل شيء، وعليها يُبنَى كل شيء، لكي نبتَهِجَ بِربيع تربوِيِّ يَشرُف بنا ونشرُف به.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة