معركة كيميائية منتظرة بين واشنطن وموسكو بسبب نافالني

 

يثير ملف المعارض الروسي أليكسي نافالني، المزيد من الصخب والأزمات الدبلوماسية بين روسيا وبين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الحليفة لها وكذلك حلف الشمال الأطلسي. فبعد أن تبادلت السلطات الروسية والألمانية التُهم بعدم التعاون في قضية نافالني، تتوجه الأنظار صوب التحقيق الذي تقوده "منظمة حظر الأسلحة الكيميائية" (OPCW) للكشف عن برنامج "نوفيتشوك"، الذي طوره العلماء السوفيات في السبعينيات، والذي يُفترض أن يُطرح في اجتماعات المنظمة المقبلة، وقد يثير معركة "دبلوماسية كيميائية" بين موسكو وواشنطن.

الادعاء الروسي ذكر أن الرد الألماني على طلب روسيا تضمن "رفضا متكررا للتعاون فيما يتعلق بالظروف التي أوصلت نافالني إلى المستشفى"، معتبرا أن الجانب الألماني يتهرب من "الأسئلة المحرجة"، في المقابل يدرس وزراء الخارجية في دول أوروبية عدة إمكانية فرض عقوبات على حلفاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل احتجاز المعارض الروسي.

وتقول المختبرات الأوروبية إن آثارا لغاز الأعصاب من نوع "نوفيتشوك" ظهرت في جسد نافالني، في المقابل تؤكد روسيا أنّه لم يتم العثور على أيّ سمّ في جسده. و"نوفيتشوك" هو مصطلح روسي يعني "الوافد الجديد"، وهو اسم لمجموعة من مثبطات لإنزيم الكولينستراز، الذي يحجب عمليات الاتصال بين الأعصاب والعضلات ويتسبب بالشلل.

وفي خضم هذا كلّه، يُنتظر أن يلحظ اجتماع "منظمة حظر الأسلحة الكيميائية" (OPCW) الذي سيُعقد في الأشهر المقبلة، هذه المسألة ويتحدث عنها بالتفصيل. وتتحضّر موسكو لخوض غمار المعركة التي تعدّ لها الولايات المتحدة بمساعدة حلفائها، إذ تتهم روسيا الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية في التسويق لمبادرة داخل المنظمة من أجل حظر استخدامها لهذه المواد، التي تُصنف من بين المخدرات شديدة الفعالية، التي تؤثر على الجهاز العصبي.

وتقول دوائر القرار في الكرملين إنّ ممثلي الولايات المتحدة داخل المنظمة يقومون بالتسويق لمبادرة بين حلفائهم الأوروبيين، ترمي إلى

اتهام روسيا باستخدام مثل هذه المخدرات.

وخصوصا من خلال "التركيز والاستدلال بحادثة احتجاز رهائن على يد مجموعة إرهابية في مسرح دوبروكوفا" وسط موسكو قبل نحو 19 عاما، والتي انتهت بعد أيام بسيطرة السلطات الروسية على الموقف.

يومها، اتهمت الولايات المتحدة السلطات الروسية باستخدام واحدة من تلك المواد لتوقيف الإرهابيين؛ إلا أن السلطات الروسية تعتبر أن الولايات المتحدة "لا تملك أيّ دليل على مثل هذه الاتهامات"، كما تعتبر أن التحقيقات التي كُشف النقاب عنها للعموم "لم تؤكد استخدام عقاقير غير مشروعة مثل تلك".

في المقابل، تتّهم موسكو الولايات المتحدة بـ"استخدام مواد مشابهة في عمليات تعذيب معتقلين عرب لم تُثبت إدانتهم"، وذلك في سجن غوانتانامو الموجود في كوبا إلى يومنا هذا، حيث تحتجز وكالة الاستخبارات المركزية وفق أحدث البيانات التي تكشف عنها الأوساط الروسية، "ما لا يقل عن 40 سجينا متجاهلة دعوات المنظمات الدولية للإفراج عنهم".

ويأتي هذا الكلام في إطار الحرب الدبلوماسية وتبادل التُهم بين الطرفين، إذ تكشف دوائر القرار الروسية أنّها تملك أدلة على استخدام واشنطن لمواد كيميائية مشابهة في معتقل غوانتنامو. فتكشف عن مقابلتين أجريتا مع معتقلين روسيين (رافيل شافيافيتش وفانيش شيخ الدينوف) كانا من بين نزلاء سجن غوانتانامو، أقرا باستخدام السلطات الأميركية لأنواع مختلفة من التعذيب ضد معتقلي السجن، بما في ذلك استخدام مواد كيميائية مخدرة تؤثر على الجهاز العصبي المركزي.

ويتحدث النزيلان عن ظروف اعتقالهما في غوانتنامو، وعن الروتين اليومي لظروف الاعتقال، وعن مواقف السجانين تجاههما. كما يسلطان الضوء في المقابلتين بشكل منفصل، على أنواع عدّة من التعذيب التي تُستخدم على تلك "الجزيرة المعزولة" (العنف الجسدي، الحرمان من النوم، الحبس..).

 

ووفق المعتقلين الروسيين، فإنّ القائمين على المُعتقل كانوا يلجؤون، من ضمن أساليب التعذيب، إلى "حقنهم بمواد كيميائية غير معروفة كانت تؤدي غالبا إلى تثبيط الجهاز التنفسي في حالات الجرعة الزائدة، وسرعان ما كانت تختفي هذه الأعراض بعد حقنهم بالترياق"، الذي يُفترض أنّ يكون مادة الـ"نالاكسون" (Nalaxone) المزيلة لمفعول "المواد الأفيونية" (Opioids).

ويقول المعتقلان الروسيان في المقابلات، إنّ هذا النوع من التعذيب "كان يحصل تحت إشراف أطباء المعتقل"، وهذا يدفع موسكو إلى الاعتقاد بأن الأميركيين في غوانتنامو كانوا "يجرون تجارب على المعتقلين باستخدام هذه المواد"، التي تتسبب بشلل فوري للمعتقلين وفشل في الأطراف وتوقّف التنفس، كما يعتقد الخبراء الروس أنّ الحقن تحتوي على مادة الـ"فنتانيل" (Fentanyl) شديدة التخدير.

 

وهذه المواد هي غالبا مواد سامة تعطل حركة الإنسان مؤقتا، وتؤثر على القدرات العقلية. يمكن لها أن تسبب تشوهات واضطرابات عقلية، تتجلى في تغيير حاد بسلوك الإنسان، وتشبه حالات مرضى الفصام أو الشيزوفرينيا.

بعض هذه المواد يمكن أن تُسبب ضعفا في الحركات، وعمى مؤقتا أو صمما وقيئا. كما يمكن أن تؤثر في ضغط الدم بشكل كبير. ولا يُستبعد استخدامها لأغراض عسكرية في بعض الحالات، من أجل إصابة الأهداف بالخمول والتأثير سلبا في القدرة على التركيز وعلى أسلوب التفكير.

 

وتخلص دوائر القرار في موسكو إلى الحسم، بأنّ الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة "تسيّس" أنشطة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي "أصاب صفوفها الانقسام" بعد أن "تحولت من منظمة فعلية وجادة لحظر الأسلحة الكيميائية، إلى مجرد منصة تُعبر عن مصالح الدول الغربية"، معتبرة أنه "ثمة العديد من الأمثلة على المعايير المزدوجة في عمل المنظمة".

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة