الغياب والحضور بين القوانين والأعراف

 

أزمة سيادة القانون واحترامه والالتزام به وفقدان الثقة والإيمان به، من أكبر الأزمات والمحن التي تمر بها الدول والمجتمعات في الشرق الأوسط، والتي حالت بينها وبين اللحاق بركب الأمم المتقدمة، التي تعلو فيها المبادئ التي تعين على النهوض والتقدم، حيث إن القانون في أصله هو الأسس والقواعد التي تحكم المجتمع، وتعمل على تنظيمه بتحديد حقوق الأفراد وواجباتهم، وتُعرِّف مؤشرات الحوكمة العالمية سيادة القانون بأنها مدى ثقة الأفراد والتزامهم بالقانون، ومن ناحية أخرى نجد أن الأعراف حازت على المكانة الأكبر في ضمير المجتمعات الإنسانية جمعاء وبالأخص لدى المجتمعات الشرق أوسطية، ونجد أن الأمم المتقدمة وصلت إلى تلك المرحلة من احترام القانون واللجوء إليه باعتباره النظام الرئيس المسؤول عن تنظيم العلاقات والحقوق والواجبات، حيث إن فقدان الثقة بالقانون والاستمرار في الاحتكام للأعراف التقليدية غير المواكبة للتقدم والتطور هو أحد مسببات التأخر.

 

من الملاحظ أن القوانين في أغلب الدول المتقدمة تتضمن آليات وأساليب لتعديل وإلغاء العمل بالقوانين والتشريعات غير العادلة، أو التي أثبتت عدم جدواها، وأصبحت غير مواكبة للتغييرات والتطورات التي تحدث في المجتمع، وتلك الآليات تكفل مشاركة الجميع في سن القوانين وتعديلها، وبذلك يعلو حس الشراكة لدى أفرادها في إنتاج وتعديل القوانين والتشريعات؛ لتخدم تنظيم الشؤون الداخلية والخارجية وضمان رفاههم.

من ناحية أخرى يتّضح أن مدى ارتباط المجتمع ورضاه عن الجهة المنفذة للقانون، والتي تحمل مقاليد الحكم والسُّلطة يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على مدى سيادة القانون وعلو قيمته، وهنا يطرأ سؤال وهو: هل توجد شعوب ساخطة على أنظمة الحكم ولكن تحترم القانون بشكل أو بآخر؟

عدم رضى المجتمع عن نظام الحكم وغياب الديمقراطية في مختلف إدارات وأجهزة الدولة بطبيعة الحال يجعل الأفراد يميلون لعدم احترام القوانين والتشريعات وللبعد عن الالتزام بها، ومحاولة التملص منها، وذلك يتمثل في ممارسة الفساد بأشكاله المختلفة؛ مثل الفساد الإداري والرشوة والواسطة وغيرها، وعدم وجود ذلك ينبع من جوانب أخرى، وهي إما رسوخ القوانين والتشريعات أو سطوة السلطة الحاكمة وطغيانها.

بالإضافة إلى ذلك فإن أنظمة الحكم الدكتاتورية التي ترفضها الشعوب، غالبا تتبع في المحاسبة والعقوبات والجزاءات نظام تفضيل أصحاب السلطة والمال، الذين غالبا ما يتم وصفهم بأنهم فوق القانون.

 

وبالنسبة لتجارب الثورات في إقليم الشرق الأوسط أو ما سمي بـ"الربيع العربي" ومحاولات التغيير الديمقراطي، نجد أن رؤوس ومسؤولي الأنظمة الدكتاتورية بعد سقوطهم لم يحاسبوا بالنظم القانونية، وكانت نهايات بعض منهم أبعد ما تكون عن المسار القانوني، الذي يبدأ بالمحاكمة وينتهي بتطبيق العقاب، ولذلك نرى أن الصدام بين الأفراد والقانون يولِّده التصدع الذي لحق بالعلاقة بين الأفراد والجهات القائمة على تنفيذ والإشراف عليه.

ولا ينبغي حصر تجارب الثورات العربية المطالبة بالتغيير والتحول الديمقراطي المسمى بـ"الربيع العربي" تحت مظلة وصف وتحليل واحدة، وذلك لعدم وجود تجانس مجتمعي وثقافي بينها، بالرغم من ذلك، فإنه قد تشكل وعي مشترك لدى الفرد في تلك المجتمعات جعله يرفض الفساد والاستبداد ويتحرك ضده، والثورات لا تضمن تحقيقا مباشرا وفوريا وملموسا للديمقراطية؛ لأن تحقيق الديمقراطية والعدالة يبدأ من إيمان الأفراد بجدوى النظام القانوني لكونه الأداة التي تكفل تحقيق الديمقراطية.

 

أما بالنسبة للأعراف، فنجدها ما زالت الوسيلة الأنجع والأكثر فاعلية في سبيل تحقيق الضبط الاجتماعي، والعرف هو مجموعة من القواعد التي تتناسب مجتمعيا وثقافيا مع الأفراد، نشأت من تكرار اتباعها بصفة ملزمة وتولد اعتقاد بإلزامه وضرورة احترامه واعتباره قاعدة قانونية تقتضي معاقبة مخالفيها، وتتشكل الأعراف نتاج تلاحق كل من الثقافة والدين والوعي والتوجهات المجتمعية، وانطلاقا من الأطر الثقافية للمجتمعات والحاجة الذاتية لوجود هذا النوع من النظام، صارت الأعراف قوة مؤثرة في تنظيم وبناء المجتمعات الإنسانية، وأصبح العرف في أحد مراحل التطور الحضاري هو المصدر الأول والأساسي من مصادر القانون؛ لأن العرف يهدف في أصله لتهذيب القوى، ومنع الظلم وتحقيق مبادئ العدالة والاستقرار.

 

وفي وقتنا الحالي، تتغير مكانة العرف في ضمير المجتمع وفق حضور السيادة القانونية وقوتها ووضعها، فيأخذ العرف مكانة متقدمة إن لم يحقق القانون جدواه؛ ولكن القانون يكون أكثرَ مرونة في تغييره مقابل العرف، فمحاولة إحداث التغيير في التقاليد العرفية صعبة جدا؛ لأنها تحتاج إلى تغيير ثقافي واجتماعي وإيمان واتفاق من جميع الأفراد على جدواه.

وبهذا يمكن تعميق مبدأ سيادة القانون عبر تأصيل وتعزيز القيم الأخلاقية العادلة في ضمير الشعوب وتضمينها في الأعراف المتبناة، وإحداث التغيير الثقافي مع الحرص على حماية هوية المجتمع من الاستلاب الثقافي، بالإضافة إلى تعزيز حضور القانون المستمد من الأعراف، التي لا تتنافى مع التقدم، وجعله المرجع الأصيل، وإعادة توطين ثقة الفرد في جدوى القانون بضمان تنظيمه للحقوق والواجبات، وبأن يصبح الجميع سواسية تحت مظلته لتحقيق الديمقراطية، ولضمان تقدم الأمم وصلاح شأنها.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة