‏إدلب.. كسر لجليد تقوده مؤسسات إعلامية غربية

 

حديث الشمال السوري المحرر وعاصمته إدلب، هو التدفق الإعلامي والبحثي الغربي عليها، لقد غدا اسم الصحافي الأميركي مارتن سميث ومؤسسته الإعلامية الأميركية "بي بي إس" (PBS)، وما يقوم به من إعداد فيلم لبرنامجه الشهير (فرونت لاين) حديث العالِم والأمي، والكبير والصغير، وحديث الرجل والمرأة، سمعة وصيتا، ذكرني تماما بما كان عليه الأمر قبيل وبعيد 11 سبتمبر/أيلول حين كانت قناة الجزيرة حديث العالم كله، مالئة الدنيا وشاغلة العالم تنفرد بتغطية تلك الأحداث الضخمة وواسعة التأثير والنفوذ.

في مطعم لطيف بالشمال المحرر جمعني أصدقاء وزملاء مع الصحافي الأميركي، الذي حرص على لقائي بعد أن سمع بوجودي في المنطقة، وهو الذي التقيته أكثر  من مرة في باكستان، كان أولها في عام 2002 بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول التي هزت الدنيا وما تزال تداعياتها لليوم، نبدأ بالحديث عن الماضي والحاضر لنعرج بالحديث عن إدلب والوضع فيها، فيفاجئني بقوله لا أدري ماذا سيحصل معي بعد العودة إلى أميركا ولقائي بزعيم هيئة تحرير الشام أبي محمد الجولاني، فصورة واحدة غرّدت بها جلبت لي الكثير من التعليقات والتفاعلات، فكيف بالبرنامج ذاته المتوقع بثه في مايو/أيار المقبل، عاجلته بالقول سيحلُّ بك كما حلّ معي حين التقيت أسامة بن لادن، فتغدو أحمد زيدان، وتغدو شبكتك "بي بي إس" قناة الجزيرة في تلك الفترة، ضحك وضحكنا، فالإعلامي الحقيقي هو من يكسر المحرمات ويخترق الحواجز؛ لتعريف الأطراف المتصارعة على بعضها بعضا، فهو أشبه ما يكون بالمفاعل الكيميائي، لتنطلق الأطراف المتنازعة في التعرف أكثر فأكثر على بعضها بعضا، فقد يُهاجم اليوم؛ لكن سيدرك كثير من الناس أهمية ما يقوم به لاحقا من توفير كثير من الدماء والمعاناة.

في الفترة نفسها كانت مؤسسات بحثية غربية تتدفق أيضا على إدلب لمعرفة حجم التغيرات التي تعتمل في الشمال المحرر كمجموعة الأزمات الدولية وغيرها، بالإضافة إلى مؤسسات إعلامية غربية طلبت، وما تزال تنتظر، السماح لها بدخول الصندوق الأسود الإدلبي، في حين تلمس الغياب الكامل لمؤسسات بحثية عربية وباحثين عرب، ما يزالون يعيشون على نصوص وكتب وتطبيقات ما قبل العشرية.

يسألني أحد الإعلاميين في إسطنبول كيف هو الوضع في إدلب؟ لكنه قبل أن يسمح لي بالإجابة يردّ بنفسه، فيرسم صورة لها أشبه ما تكون بمنطقة (طورة بوره) وغيرها، وهو الذي لم يزرها، وسمع عنها من الحانقين على التجربة وأصحابها، فاختصرت له الأمر بقولي "لقد نزل جهاز "آي فون 12" (iphone12) في السوق، فلا تقف وتتحجر عند "آي فون 5″ (iphone5) ونحوه"، إذ لا بد من معرفة حجم التطورات والتغيرات التي جرت خلال السنوات الماضية، وعدم التوقف عند حدث أو زمن بعيد بحجم التغيرات التي جرت، وقد عكسها بشكل واضح تقرير مجموعة الأزمات الدولية، بالإضافة إلى تقرير بعنوان (كيف أضحى الجهاد العالمي محليا مرة أخرى؟ وإلى أين يقود ذلك؟ دراسة حالة: هيئة تحرير الشام).

‏إن حجم التغير الذي طرأ في الشمال السوري المحرر يمكن قراءته بالتدخل التركي ونشر قواعده العسكرية مع وجود هيئة تحرير الشام وغيرها من الفصائل الجهادية، والذي سبقه تخلي الهيئة عن القاعدة وتغيير اسمها، وهو ما ردّ عليه زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بالهجوم عليها، وتمحيض دعمه ومساندته واعترافه لتنظيم حراس الدين، وبعدها بدأت الهيئة بتولي الحرب الشاملة والمفتوحة على تنظيم الدولة، فنجحت فيما عجزت عنه دول كبرى من تصفية تنظيم الدولة في إدلب، التي تقع على حدود الـ"ناتو" ممثلة بتركيا، ولم يقتصر الأمر على الحرب مع تنظيم الدولة حتى دخل في حرب وتصفية لتنظيم حراس الدين المحسوب على القاعدة، وعلى مدى 3 أعوام تقريبا لم تتعرض قيادات الهيئة وقواتها لأي غارة أميركية.

لكن ما يزال الطريق طويلا أمام ما يطلق عليه بسلطة الأمر الواقع في إدلب، فسلام في الداخل يقود إلى سلام في الخارج، ويقينا فإن فرض احترام الداخل، وتحقيق الانسجام والتناغم معه يفرض على الخارج احترام النموذج. وبمناسبة الذكرى السنوية العاشرة للثورة السورية التي تدخل ذكراها بعد أيام، فإن نظام بشار الأسد الذي ثبت أنه متسلح بكل قوى الأرض تقريبا؛ فمنهم من ساعده عسكريا، ومنهم من ساعده سياسيا، وآخرون أمنيا، والبعض ساعده بصمته؛ لكن مع هذا كله لم يستطع أن يصمد أمام تسونامي شعبه، وفي ذلك رسالة ودرس للفصائل المتصدرة للمشهد في إدلب أن القطار يبدأ بوضعه على سكة الرضى الشعبي، وقناعة الحاضنة بأن المشروع مشروع الجميع، لا مشروع فصيل أو تنظيم.

 



حول هذه القصة

يتقاسم السوريون في مناطق المعارضة المعاناة بأشكال متعددة؛ فساكنو المخيمات لا يجدون ما يحميهم من البرد ولا حرارة الصيف، وقاطنو القرى القريبة من خطوط القتال يشكون من غياب الخدمات، وخطر تجدد المعارك.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة