كيف سطع الشعر في بلاد الشمس.. ابن رازكه نموذجا

 

بالرغم من الجدل التاريخي الذي يتطرق له المتخصصون، عند الحديث عن البداية الفعلية لتاريخ القصيدة في بلاد شنقيط (موريتانيا)؛ إلا أن المصادر والمدونات التي شكلت أبرز المرجعيات في الشعر الشنقيطي، تبدأ بسيدِي عبد الله بن محَم المتوفى 1044 للهجرة، المشهور بابن رازكه، بوصفه أول من ظهرت لديه القصيدة في شكل مكتمل الملامح -بعد اكتمال التشكل الذي استقرت عليه ملامح البلاد ومجتمعها أيضا- وأقدمَ من حفظت الأيام منتوجه بما يبرز تجربة شعرية رائدة، كانت تأسيسا للتسمية التي أطلقها الأديب طه الحاجري على موريتانيا في مجلة العربي الكويتية سنة 1967، حين سمّاها بلاد "المليون شاعر" لتأخذ الكلمة شيوعها بعد ذلك.

يرى مؤرخ الأدب الموريتاني، الدكتور محمد المختار ولد أباه، أن هناك نوعا "من الأسئلة التي لا مناص من طَرقها من قبيل كيف ظَهر ابن رازكه وتألَّق نجمه؟ حيث جاء ذلك في معرضِ التقديم، الذي كتبه لديوان الشاعر، ولعل هذا هو ما يجيب بشأنه المرجع في العلم لدى أهل البلاد أباه ولد عبد الله حين أورد أنه "لم يحفظ التاريخ شعر شاعر بمعنى الكلمة" في بلاد موريتانيا قبل ابن رازكه، وقال إنه يمكن أن يسمّى "أبا الشعراء (في بلاد موريتانيا) ومرقّش شعرها".

ضِمن البعد التأسيسي، الذي يرافق صورة ابن رازكه، تَشكّل الجمع ما بين هوية العلوم الشرعية ومعايشة الكتابة الشعرية على مستوى الاهتمام والتخصص، فالمصادر توضح دراسته للفنون اللغوية والشرعية بتنقله في مناطق عدة من البلاد، حيث استقى من الينابيع التي صاغت شخصية الفقيه والعالم، التي تتجاور لديه مع مكوّن آخر هو الإسهام الشعري، الذي صنع صيتا باقيا لولد رازكه، واستأثر بالواجهة فيما يتعلق بتقديمه للقراء والحديث عنه للأجيال.

وهنا نطّلع على أن الشعر كان شديد الحضور لدى ابن رازكه منذ مراحل التعلّم والإقامة في المحاظر المختلفة أيام دراسته المتون العلمية، ومما كتبه حينها ما يقول ضمنه

ونحن الأنوف الشامخات على .. الورى تَقاصر عنا كل أنف ومارن

لم تقتصر رحلة الطلب عند ابن رازكه على البيئة التي عاش فيها، فصاحب فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور أورد عنه أنه أخذ عن عدد من "الأشياخ الأجلّة الذين أدركهم بالمغرب الأقصى والسوس كالسيد أحمد العطار وأبي مدين القاضي الأكبر"، وكان هذا الطابع امتدادا أيضا لسيرة جدّه عبد الله القاضي، الذي أخذ عن بعض العلماء من خارج القطر؛ كشيخ المالكية علي الأجهوري بمصر فقد التقاه ورى عنه، وفق ما تنقله المصادر، فحافظ ابن رازكه على هذا المشعل، وكان الشعر والعلم بالشريعة وسيلته للتواصل مع الأعلام، حيث يحدثنا مؤلِّف كتاب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط عن قصيدة ابن رازكه الشهيرة، التي كتبها بشأن سؤال علمي ولغوي حول آية من القرآن الكريم، وكان "يخاطب علماء فاس عموما ويخص العلامة بن زكري" وهذا جزء من القصيدة

شيوخ البيان الذائقين حَلاوة .. من العلم لم تُطعم لغير ذويه

سلام من الله السلام ورحمة .. يَعمّانكم من خامل ونَبيه

سؤال غريب دون شنقيط أرضه .. من البعد تيه يتّصلن بتيه

قِراهُ لديكم أهل فاسٍ جوابه .. بنصِّ بيان في البيان وَجيه

لكنّ علاقة الشاعر الشنقيطي الأقدم، بالأعيان في بلاد المغرب، لم تنحصر في إطار الزعامات العلمية، فقد قال عنه صاحب الوسيط "ثم طمحت نفسه إلى الأعتاب السلطانية"، والتي كان ينال بها إكراما "يقصر عما يُذكر من إكرام الرشيد وأضرابه لمن توجّهوا إليه"، وذات مرة قال السلطان المغربي محمد العالم مرحّبا بابن رازكه

مكناسة الزيتون فخرا أصبحت .. تزهو وترفل في ملاء أخضر

فرَحا بعبد الله نجل محمد قاضي ..  القضاة ومن ذؤابة "مِغفر"

 

صديق الأمراء

تعمُّق العلاقة بين ابن رازكه والحضرة المغربية يفسر قدومه مع أحد أمراء المناطق المحلية في البلاد، إلى السلطان المغربي لاستمداد العون العسكري لصديقه الأمير؛ بل أكثر من ذلك، نقف على إلماحه في ما جاء في الكتاب المعروف بفقه البادية للشيخ محمد المامي، عندما قال إن ابن رازكه ربما كان "يعتبر نفسه واليا من قبل سلطان المغرب" الأمر الذي يفتح المجال للتساؤل حول الصورة السياسية لولد رازكه، وهل كان مجرد فقيه وأديب شاعر أم أنه رجل السياسة الذي كان يبسط حضوره ونفوذه؟، بالرغم من مسألة شح المصادر التي تتحدث عن تفاصيل حياته، ومن هنا يمكننا استحضار ما سجّله محمد المختار ول اباه من أننا لا نعرف عن هذا الشاعر "إلا قليلا من حوادث متفرقة يحيط بها الغموض وتكتنفها الأساطير".

ولكن الذي لا مرية فيه، هو الزعامة الشعرية التي قدّمت الشاعر بين الأدباء، ومن خلالها حاور شعراء الحضارة الإسلامية، فقد كتب قصيدته الفائية في مدح النعل الشريفة، والتي يعارض بها إحدى القصائد العربية، حيث قال

نَهارِيَ نَهْرٌ بين جفنيّ والكَرى .. وليليَ بحرٌ مُرسل دونه سَجفا

توطّنت الأشواق سَوداء قلبه .. فتَرفعه طوْرا وتخفضه طوْرا

سهرنا فناموا ثم عابوا جفوننا .. لقد صدقونا المُرْه لا تُشبه الوُطفا

ومن بديع وعظيم الشعر ما كتبه بإحدى القصائد:

يعاين أعقاب الأمور فراسة .. إياسيه تلقى إليه وتهتفُ

وتسمع عنه بالعجيب وما ترى .. بأحسن مما كان يروى وأظرفُ

تهمّ قلوب الحاسدين بغمصه .. فتسبقهم أفواههم فتشرِّفُ

بصيرٌ بحل المشكلات كأنما .. يكاشف عن أسرارها ثم يكشفُ

حكيمٌ تلاشى فيه سَحبان وائلٍ .. وقس وأفعى الجرهمي وقِلطفُ

ورسْطا وقسْطا وابن سينا وهُرْمِسٌ .. وإقليدس ذو الجوسقين وأسقفُ

مثلما جمع بين الريادة على المستوى الشعري والزعامة العلمية، كانت منظومة المعارف التي اهتم بها، من حقول أيضا متعددة شملت "الهندسة والرياضة"، وفق ما جاء في ترجمته في الوسيط.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة