زهير الجزائري و(هُم).. تشابه الظلم وربط المنشأ بالاستبداد

 

مع تنوع الأقطار تحسّ أن عشرات الملايين؛ بل أكثر، من الأحياء والأموات جمعهم الوقوع تحت سوط الظلم وتغوّل الفرد وصندوق مغلق من الرعب والقهر.

في كتاب (أنا وهم) للكاتب العراقي (زهير الجزائري) الذي وضع فيه لمسة الأديب كونه كاتب روايات، مخلوطة بأسلوب الصحفي، وهو الذي امتهن الصحافة زمنا طويلا، وعمل مخرجا تلفزيونيا أيضا، ومزجها بفكره؛ كونه تأثر بأخواله الشيوعيين، وانخرط في الحركات اليسارية، وما كان لتجربته الشخصية المليئة بالخوف والهواجس والحقد، التي لا يخفيها أن تغيب عن صفحة من صفحات الكتاب إلا لتعود بكثافة في صفحات أخرى.

الكتاب صادر عن (دار المدى للثقافة والنشر) في بيروت وأولى طبعاته كانت في 2013؛ أي بعد سنتين من ثورات الربيع العربي وبداية الثورات المضادة، وعدد صفحاته 144 من القطع المتوسط.

زهير الجزائري من مواليد النجف (1943)، عاش غربة قسرية عن وطنه مدتها 24 سنة، وهو حاصل على شهادة في الأدب الألماني من جامعة بغداد، ودرجة أخرى في اللغة الإنجليزية من جامعة كامبردج.

وهذه الثقافة والسيرة ستنعكس على كتابته وإيمانه بقيم ومفاهيم الديمقراطية من المنظور الغربي كقيمة معيارية؛ لكنه لم يلتزم هذا المعيار من ناحية أخرى كما سنرى.

 

القرى النائية والصحراء

يشير الكاتب إلى أن الضباط الذين حكموا دولا عربية عدة قد جاؤوا من مناطق صحراوية أو قرى نائية منسية، وكانت المدن شيئا مكروها عندهم لهذا السبب، فعملوا على هدم وتخريب ما فيها من مؤسسات وتنوّع وغير ذلك، وسعوا إلى فرض ما أسماه الجزائري (التماثل القسري) على المجتمع.

تتكرر فكرة أصول ومنابت الحكام وتأثيرها على سلوكهم وسياساتهم في مواضع عدة في الكتاب، وكأن الكاتب يريد تثبيت هذه الفكرة -النظرية- في وعي القارئ، أو يحرص بشدة على تأكيدها في تقييمه وتحليله لدوافع الحكام النفسية؛ بل يذهب بعيدا في هذا الإسراف عند حديثه عن قصر صدام حسين ومحتوياته من الرياش مثلا في الصفحة 112، حيث يقول

الذوق السوقي للطبقة الريفية التي اجتاحت المدينة

وتولعت بالأشياء معزولة عن محيطها،

وقد لا يكون زهير الجزائري أول من سلط الضوء على موضوع (حكم الريفيين للمدينة)، فقد سبقه أحد المقربين من صدام (أظنه مترجمه)، الذي وصف نزول (التكارتة) إلى بغداد بأنه قد حوّل المدينة العريقة إلى قرية كبيرة.

ولكن لا يمكن للمرء أن يغض الطرف عن النفس العنصري البارز؛ بل الذي يسعى الكاتب لإبرازه، بجعل منشأ الفرد حاكما على سلوكه؛ علما أن لكل بيئة (ريفية أو صحراوية أو مدنية) خصالها العامة الحسنة، مثلما ثمة صفات مرذولة لأي تجمع، وليست المشكلة مع الحكام أصولهم؛ بل سياساتهم وسلوكهم الاستبدادي، وقدراتهم الفردية المثلومة التي لا تؤهلهم لرئاسة مجلس بلدي؛ بل قيادة وحكم ملايين الناس الذين يعيشون على أراض شاسعة لها تاريخ عريق وتتمتع بثروات هائلة، ومع عدم إهمال الجانب (السوسيولوجي) في بحث ظاهرة الاستبداد بطبيعة الحال.

شرب الخمر.. أين زين العابدين؟

مع أن غلاف الكتاب حوى صورة بالأبيض والأسود ضمت (زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح وصدام حسين)؛ إلا أن الكتاب تناول في فصوله سير هؤلاء باستثناء زين العابدين، علما بأن أول ثورة شعبية قامت ضد نظام عربي في هذه الألفية وأسقطته كانت في تونس؛ فلم لم يخصص له ولو بضع صفحات؟

إن ما بدا لي تفسيرا لعدم تخصيص عنوان وبعض السطور لبن علي في الكتاب هو أنه لم يأت من صحراء قاحلة أو قرية نائية؛ بل أتى من (حمام سوسة)، وهي منطقة تختلف عن منابت المستبدين الآخرين في الكتاب، وقد بنى الجزائري نظرية تفسيرية لاستبداد الضباط، تجعل من أصولهم ومناطق ولادتهم ونشأتهم الأولى الدافع والمحرّك لما ظهر من طغيانهم؛ وفقط بمرور عابر في الصفحة 10 يشير الكاتب إلى إحراق الشاب محمد البوعزيزي نفسه؛ مما أدى إلى ثورة شعبية أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، ويدخل بعدها في فصول الكتاب الذي تناول مبارك والقذافي وصالح والأسدين وصدام على التوالي.

وقد لفت نظري حرص الكاتب غير مرة على إظهار أنه يشرب الخمر (تارة ويسكي وتارة فودكا) في ليبيا أو اليمن مثلا، ولا أدري ما الداعي لهذه المجاهرة بالمعصية في كتاب يفترض أنه يتناول نتفا من سيرة حكام طغاة، هل السبب يا تُرى هو نوع من التحدي الذي يمارسه بعض الناقدين لمنظومات اجتماعية أو سياسية، استباقا أو استهتارا بما قد يقال عنهم؟، على غرار ما فعله الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل (عرار) في بعض أشعاره:

هـات اسـقـنـي قـعـوار ليس يهمني ** قــول الوشــاة عــرار ســكـرانـان

أم لإظهار ذلك المفهوم والنظرة الليبرالية التي تأتي محمولة على التحلل من كل الالتزامات الدينية الداعية إلى تحرّي الحلال واجتناب الحرام ؟ أم لتمرير رسالة رمزية أن هذه الأوطان المسكونة بالاستبداد والرعب دفعت أهلها بمن فيهم المثقف والكاتب إلى معاقرة الخمر، هروبا من الواقع، أو سخرية منه؟ أم أن زهير الجزائري ذكر شربه للخمر لكل هذه الأسباب مجتمعة وأسباب أخرى، ينبغي أن نسأله عنها؟

 

صدام حسين.. تحامل وحقد

لم يرحل صدام عن عرش العراق بثورة شعبية؛ بل باحتلال أميركي، ويبدو أن الكاتب خط الكتاب قبل شنق صدام حسين؛ لكن بعد أسره من الأميركيين، ويؤكد الجزائري أنه قد كتب عن صدام 1800 ورقة (فولسكاب)، ولا يضع قارئه في حيرة، حين يؤكد أن صدام كان هاجسه وكابوسه وكان مشغولا به، وهو -في نظره- الدكتاتور الأسوأ، وصاحب السجل الدامي مقارنة مع كل من ذكرهم في كتابه.

ومع ذلك فإن الجزائري وقع في خطأ في الصفحة 115، وهو يتحدث عن تماثيل صدام حسين، فواحد منها برأس عليه عمامة قائد عسكري "ربما خالد بن الوليد وهو أيضا من تكريت"، بالطبع القائد الذي ولد في تكريت هو الناصر صلاح الدين الأيوبي، وليس الصحابي سيف الله المسلول خالد بن الوليد، وهو قرشي مخزومي ولد في مكة المكرمة، وهذا الخطأ برأيي مرده اختلاط التحامل الشخصي بتقديم المعلومة والتحليل، ولا أدري إذا تم تصويبه في طبعات لاحقة أو التنويه من الكاتب.

 

5 نماذج

يرى الكاتب أن حسني مبارك لم يملك مغامرة جمال عبد الناصر ولا مغامرة السادات، فتجمدت مصر في زمنه (طبعا لم يمدح سلفيه، وإن ذكر تميزهما عنه)، وأن الزمن كان شغله الشاغل، وكان يتحايل عليه بصبغ شعره، وهاجس الاغتيال جعله غائبا عن الحضور بجسده خاصة مع كبر سنه.

أما معمر القذافي، فإنه أحب الجمهور ومسح الفرد، وأراد أن يكون قائدا لثورة مستمرة مرسخا سلطة أبوية استبدادية، ومسح المؤسسات وأكثر من مشروعات الوحدة الفاشلة.

وعلي عبد الله صالح هو (دحباش) غير متعلم جاء من منطقة نائية، حيث تأكل الغنم الشوك بدل العشب، وكان الجيش هو مخرجه من الفقر والفاقة، وهو ابن عشيرة حاشد، تمكن من دخول سلاح المدرعات وسيحكم اليمن لاحقا، لاعبا على العشائرية والتكنوقراط معتمدا على الأقارب أمنيا، مستخدما الاغتيالات للتعامل مع الخصوم أو المنافسين.

أما حافظ الأسد وابنه، فلهما نصيب من حديث الجزائري، ومع أنه عاش 13 عاما في سوريا؛ لكنه لم يلتق بهما، وحافظ تعلم وتدرب كيف تدار الانقلابات، ولم يكن شعبويا مثل صدام حسين؛ لكنه عمد إلى الحضور في وعي الجمهور عبر الصور والتماثيل التي اختيرت مواقعها بعناية، ويعقد مقارنة بين الأب والابن (بشار)، الذي نشأ وترعرع في مدينة وكان بعيدا عن أجواء المؤامرات والانقلابات؛ لكن لم يكن الابن أقل دموية من أبيه فور اندلاع الثورة، فالسلطة تخلق إدمانا يقود إلى الإجرام.

ولذا كان آخر فصول الكتاب (أكثر من 20 صفحة) مخصصا لنصوص مختارة خطها فلاسفة وأدباء وكتبة أجانب عن (طاغية السلطة إلى النهاية) مثل أفلاطون وتشيخوف وتولستوي وشكسبير وماركيز وغيرهم، وبرأيي كان حاذقا في اختياراته واقتباساته.

الكتاب سهل اللغة وسلس العبارة، ربما كل ما فيه معروف للقارئ العربي من حيث المعلومة بحد ذاتها؛ لكن هناك العظة والاعتبار وتحفيز التفكير، وهي أمور يساهم فيها الكتاب بلا شك، مع ما ذكرته من تحفظات عليه.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة