نفوذ تركيا الذي رسمه مؤسس ستراتفور

 

جدل واسع في أوساط السياسيين والمهتمين بالشأن التركي خلال الأيام الماضية، أثير عقب عرض قناة "تي جي آر تي" (TGRT) التركية خريطة لمناطق النفوذ التركي المتوقعة بحلول عام 2050، وعلى الرغم من أن قراءة خريطة النفوذ جاءت نقلا عن كتاب لمؤسس شركة ستراتفور، جورج فريدمان "الـ100 عام التالية: توقعات للقرن الـ21" (The Next 100 Years: A Forecast for the 21st Century)، ورغم أن الكتاب لم يأت على ذكر تركيا وحدها، كما أن الكتاب صادر منذ عام 2009؛ إلا أنه حرك تساؤلات عديدة فيما يخص تركيا، لا سيما بعد عرض القناة لما يخص بلادها منه، وهو ما تحرك معه بعض السياسيين في عدد من الدول، التي وقعت تحت مساحة توقعات فريدمان، وعلى رأسها روسيا وبرلمانها.
وفي هذا المقال سنطرح بعض التساؤلات ونحاول الإجابة عليها، لعلنا نصل إلى بنيوية الفكرة والهدف منها.

ما هي حدود النفوذ وزمن الوصول إليه؟

في كتابه الجديد المثير للتفكير "الـ100 عام التالية: توقعات للقرن الـ21″، يقدم جورج فريدمان، تنبؤا واضحا وسهلا لقراءة التغييرات التي حول العالم خلال القرن الحالي، ولا شك أن شركة ستراتفور من أجدر المراكز التي تقوم بهذه المهمة، ولا شك أيضا أنها تعد بابا خلفيا للمخابرات الأميركية، ومن ثم فإن توقعاتها لا تعتمد فقط على تحليلاتها وأبحاثها الشاملة؛ بل على معلومات استخباراتية بالأساس، وأتى فريدمان في كتابه الجديد على ذكر بعض الأمثلة والتحولات.

من ذلك استبدال الحرب الأميركية ضد الإسلام الجهادي بحرب باردة جديدة مع روسيا، كما سيتضاءل دور الصين كقوة عالمية، لتتحول هذه القوة إلى المكسيك فتصبح قوة مهمة على المسرح الجيوسياسي؛ لكن أهم ما أشعل الجدل هو قراءته لمستقبل تركيا، الذي رسم له خريطة توضيحية لمناطق نفوذها المنتظرة، والتي شملت بلادا من الشرق الأوسط إلى البحر الأبيض المتوسط، وصولا إلى آسيا الوسطى؛ مما يعني أن تركيا سيكون لها نفوذ في حوض بحر قزوين والبحر المتوسط، وسيصل نفوذ تركيا وفق فريدمان إلى كل من اليونان وجنوب قبرص وليبيا ومصر وسوريا والعراق ولبنان والأردن والمملكة العربية السعودية وعمان واليمن ودول الخليج وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وشبه جزيرة القرم وتركمانستان وكازاخستان.

وهو ما يشبه كثيرا نفوذ الدولة العثمانية في أوج مجدها، وهذا من شأنه إثارة قلق دول المنطقة والقوى الغربية وكذا روسيا، التي ظهرت مناطق منها في خريطة فريدمان واقعة في نفوذ تركيا المتوقعة.

ما إمكانية الوصول لحدود الخريطة؟

فريدمان، مؤلف الكتاب المثير للجدل، رجل عميق إلى حد لا يمكن أن يرسم خريطة بهذا الشكل أو يضع أطروحة في كتاب له بدون أن يكون لها شواهد، ولا يمكن أن تخرج قراءة استشرافية كتلك التي وضعها في كتابه محل البحث؛ إلا ويعني بها شيئا ويهدف بها إلى شيء، نفوذ تركيا المذكور في الخريطة الافتراضية شمل كل من دول آسيا الوسطى والقوقاز، وهي دول توجد فيها قوميات تركية تجمعها بأنقرة أو بالأحرى بإسطنبول روابط الدم والروح، قبل اللغة والتاريخ، ومدت الجسور بينهما بعد حصول تلك الدول على استقلالها. وإن كان للنفوذ الروسي على أغلب تلك الدول دور في عدم إنتاج العلاقة المأمولة بين هذه الدول مع تركيا.

وتبني تركيا علاقاتها مع دول الجوار على أنها امتداد لقومية كبيرة، آن لها أن يجتمع شملها، وقد ترجمت ذلك بإنشاء منظمة الثقافة التركية الدولية؛ مما عزز التجارة البينية، فبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول المنطقة 7 مليارات دولار حتى نهاية عام 2016، بينما بلغت قيمة استثمارات الشركات التركية في دول المنطقة 14 مليار دولار لغاية نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول 2017. أما قيمة المشاريع التي نفذتها شركات المقاولات التركية في دول المنطقة، فقد تجاوزت 86 مليار دولار، حيث توجد أكثر من 4 آلاف شركة تركية تمارس نشاطاتها في المنطقة، وتزداد هذه الأرقام خلال السنوات الأخيرة، ويتوقع أن تتضاعف بعد الدور الذي أدته تركيا في حرب أذربيجان في قره باغ.

وفي شمال أفريقيا والخليج العربي والشام، استطاعت تركيا العدالة والتنمية أن تبني جسور ثقة مع الشعوب بدغدغة مشاعر تلك الشعوب الحالمة بالوحدة "الإسلامية"، وما تزال صورة الخلافة "العثمانية" تراودها، وهو ما لا يقبله حكام تلك المناطق، كما أن موقف تركيا، الذي اتخذته من مناصرة الشعوب في ربيعها العربي بموجتيه، وضعها في مقعد القيادة المأمولة في ظل انبطاح مقصود من حكام تلك البلاد لرغبات الغرب الاستعماري.

لكن وضع قبرص واليونان ضمن خريطة النفوذ نفسها، فهو ما لم أجد له تفسيرا غير ما سيأتي لاحقا في تفسير الهدف من نشر تلك الخريطة وعرضها الآن.

في نظر فريدمان فإن إمكانية الوصول لحدود خريطة النفوذ، التي وضعها لتركيا خلال الـ50 عاما الأولى من عمر هذا القرن، ممكنة، والمشاهد من سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم الآن أنه بالفعل ممكن، في ظل حالة التراجع الكبير لأوروبا وأميركا خلال الـ15 عاما الماضية، وإن ظلت اقتصاداتهم تتصدر بفعل قواعد اللعبة المرسومة منذ مؤتمر "وستفاليا"؛ إلا أن المغامرات التي تم خوضها منذ 2003 حتى الآن كانت كفيلة بخروج شعوب المنطقة في موجتي الربيع العربي، لا رفضا للوكيل بل رفضا لذلك النفوذ، ما أعطى تركيا مساحة أكبر خلال السنوات العشر الأخيرة لتأدية دور أكثر تأثيرا.

ما الهدف من نشر الخريطة؟

ويبقى البحث عن هدف النشر ومن ثم العرض على القناة التركية وتوقيته محل بحث يجب الوقوف عليه كثيرا.

ما أثار الموضوع الآن هو عرض محطة "تي جي آر تي" (TGRT) القريبة من الإدارة التركية، وما تبعه من العرض على القناة الحكومية التركية الرسمية "تي آر تي1″ (TRT1) لخريطة النفوذ، وانعكس هذا الأثر على دوائر مهمة في السياسة الدولية؛ لما رآه البعض رسالة ما من الإدارة التركية المنتشية بما حققته من نجاح في أذربيجان، ودورها الفاعل في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، ما جعل، مثلا، النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع بمجلس الدوما، ألكسندر شيرين، يدعو إلى وجوب تحرك حكومة بلاده بشكل جاد مع خريطة النفوذ التركية هذه، لا سيما أن الخريطة شملت شبه جزيرة القرم وكوبان ومنطقة روستوف وجمهوريات شمال القوقاز، قارئا الرسالة التركية على أنها حلم إعادة الإمبراطورية التركية، على حد وصفه، وهو الوصف الذي يتبناه الغرب منذ وصول العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، وتروجه المعارضة في الداخل للتخويف من الحزب الأكثر نجاحا خلال نصف القرن الماضي في تركيا.

لذا فإن الرسالة المقصودة من الخريطة نفسها تقرأ على أنها جزء من المخطط المرسوم لشيطنة الإدارة التركية، ووضعها على المحك مع القوى الغربية ومن يناور معها سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا ببيع سلاح متطور، ومن ثم فإن الحرب الباردة أو المخابراتية المستمرة منذ سنوات، والتي بلغت ذروتها في 2016 مبررة من قراءة هذه الخريطة والغرض منها، فلم يكن العراق يملك سلاحا كيميائيا ليتم تدميره وإزالة نظام حكمه؛ لكن تمت شيطنته بعد خطأ إستراتيجي لصدام حسين حينها أوقعته فيه أميركا نفسها.

فلا شك أن مراكز البحوث تشكل رؤية متخذ القرار في هذه البلاد الكبيرة؛ لكن الهدف هنا هو دفع الدول المحيطة والمشمولة في خريطة النفوذ إلى الحذر، بل وتبني سلوك عدائي مع تركيا، والمراقب للإعلام الخليجي والعربي يجد حالة الشيطنة المستمرة منذ 7 سنوات وتتزايد، ترجمتها بعض الدول الخليجية بسحب استثماراتها من تركيا لعرقلة مشروع تركيا المزعوم.

في ظل كل ما تقدم يجب الوقوف عند نقطة جوهرية، يبدو أن الكاتب تعمد الخلط فيها للوصول إلى الهدف، وهو الفرق بين خريطة نفوذ وخريطة السيطرة، فكل من قرأ الموضوع أو شاهده أو سمع عنه نظر إليه على أن المقصود هو السيطرة، في حين أن النفوذ يختلف الغرض منها، وغالبا ما تهدف إلى إيجاد حلول خارج حدود الدولة من خلال مشاريع أو دعم تكون منقذة وقت الأزمات، وإلا فإن استثمارات السعودية والإمارات وقطر مثلا في أوروبا وأميركا، والتي تصل إلى تريليونات الدولارات، فهي مجمع نفوذ يجب محاربته، وإن كانت تصل إلى حد أن تكون ورقة لعب مع حكومات الدول المستثمر فيها؛ لكنها في النهاية ورقة دفاعية لن تؤثر بشكل حقيقي على سيادة تلك الدول.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة