حزب الله وجدلية نزع السلاح

 

يوما بعد يوم، تتصاعد وتيرة المطالب من الطبقة السياسية والمجتمعية، بنزع سلاح حزب الله اللبناني، الذي أصبح يتعب كاهل المواطن والدولة معا، خصوصا بعد الأحداث التي شهدتها الساحة اللبنانية مؤخرا، من تفجير مرفأ بيروت، الذي أدى إلى تدمير جزء من المدينة، والملفت رغم ضخامة الحدث الجلل، ومدى تأثيره على الاقتصاد اللبناني، الذي يعاني أصلا من حصار غير معلن، سببه سياسيات حزب الله الخارجية المعادية لدول الخليج، والتصريحات التي كان يطلقها من يسبح في فلك الحزب وعلى رأسه التيار الوطني الحر؛ إلا أن القضاء لم يتحرك إطلاقا للتحقيق في تلك الجريمة المروعة.

ثم تبعها سلسلة من الاغتيالات، التي طالت بعض الشخصيات، كان آخرها المعارض لقمان سليم، وكل تلك الاغتيالات تمت باستخدام سلاح كاتم للصوت، ومثل تلك الأسلحة أو التقنية، لا يمتلكها إلا أجهزة وجهات أمنية، ناهيك عن الدعم اللوجستي لتنفيذ العمليات. و14 نوفمبر/شباط 2005، الذكرى 16 لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، تلك الحادثة التي شكلت مفصلا سياسيا في الحياة السياسية في لبنان، ومنذ تلك اللحظة بدأت سلسلة من الاغتيالات الجسدية والنفسية للكثير من الشخصيات المعارضة لسياسية حزب الله، وارتفعت الأصوات المنددة، متهمة الحزب بتنفيذ كل تلك العمليات، بسبب تمتعه بقدرات عسكرية تفوق قدرات الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية، وامتلاكه أجهزة أمنية قادرة على ملاحقة وكشف كل الجرائم، وسطوته السياسية التي استخدمها للضغط على القضاء، كي يشل عمله؛ ولكن كيف تتم عملية نزع السلاح لهذا الحزب؟

منذ نشأته، لم يشارك حزب الله في الحكومات اللبنانية حتى سنة 2005، في هذه الفترة، كان الحزب خارج التجاذبات السياسية والصفقات التجارية والهدر المالي لا سيما  في عهد النظام السوري، الذي كانت له اليد الطولى في المعادلة اللبنانية، خصوصا بعد السماح له بدخول لبنان من الولايات المتحدة الأميركية، مقابل دعمه في حرب الخليج "عاصفة الصحراء"؛ لكن بعد اغتيال الرئيس الحريري، تغير المشهد السياسي بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وحينها قرر الحزب الدخول إلى الحكومات وابتداع فكرة الديمقراطية التوافقية، التي عطلت العمل السياسي في لبنان، والحكومات لسنوات عدة، إما من حيث تشكيلها أو من حيث عملها.

كما هو معروف، إن حزب الله استطاع أن يتحول من حالة تنظيمية إلى حالة مجتمعية، حيث تغلغل في صفوف جماهيره، وأنتج خطابا سياسيا وطائفيا موحدا وجامعا بين مجتمعه، الذي كان يعاني الفقر والحرمان والإهمال من الدولة اللبنانية، وهذا السبب الذي أدى إلى التفاف الناس حوله، فقد استطاع حزب الله أن يكوّن شبكات مالية منتشرة في كل بقاع الأرض، كما هو معروف، حيث إن ميزانية الحزب تأتي من فيلق القدس، الذي يتم دعمه من خارج الموازنة الإيرانية الشرعية؛ لكن كما ذكرت سابقا، فإن ميزة حزب الله أنه تحول إلى كيان متعدد المهام، وقام بإنشاء دولته الخاصة، التي لها نظامها الخاص، فقام بإنشاء المدارس التي لها مناهج تربوية خاصة، أنتجت أجيالا تحمل نهجه وعقيدته السياسية والفكرية والعقدية، فتشرّب جيل كامل من الأفكار الحاكمية، التي تكلم عنها الخميني في كتبه، ثم سيطر على الجامعة اللبنانية المعترف بها دوليا، ودخل طلابه في كل الجامعات وشكلوا كتلة صلبة في وجه الأحزاب.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الدعم المالي للحزب هو أساس شريان بقاء هذا الكيان فائق التنظيم، لقد أقام شركات وهمية وحقيقية في لبنان، وأصبح رقما صعبا في التبادل التجاري، سيطر على المعابر الحدودية مع سوريا، حيث يتم تهريب كل شيء من وإلى سوريا وصولا لطهران مرورا بالعراق، وسيطر على مرفأ بيروت الذي يعتبر شريان الحياة بالنسبة للدولة اللبنانية، فقد تم تهريب كل البضائع التابعة لحزب الله؛ مما أدى إلى خسارة الدولة اللبنانية المليارت بسبب التهرب الجمركي.

وبسبب عملية التهريب استطاع بعض التجار أن يتوغلوا في السوق اللبناني كمنافس للشركات؛ لأن تلك البضاعة لا تخضع للرسوم الجمركية ولا للقيمة المضافة. وقد تاجر بكل شيء، من هواتف وستالايت وغيرها من التجارات التي أصبحت ضمن إمبراطورية حزب الله، ذلك الفراغ الذي أحدثته الدولة اللبنانية، استطاع الحزب أن يملأه، وأصبح الولاء له مطلقا؛ لأنه انتقل في نظر جمهوره، من حزب إلى دولة بديلة.

لم يقتصر نشاط حزب الله الاقتصادي ضمن حدود الجغرافيا اللبنانية، فبسبب انفلاته الأمني خصوصا بعد الثورات العربية، استطاع أن يكوّن له شبكات مالية خارجية، وقد عرضت  الولايات المتحدة مكافآت مالية تصل إلى 10 ملايين دولار لكل من يقدم معلومات عن أعضاء الشبكة المالية لحركة حزب الله محمد قصير، ومحمد قاسم البزال، وعلي قصير.

وأعلن برنامج المكافآت من أجل العدالة التابع لجهاز الأمن الدبلوماسي في الخارجية الأميركية عن مكافآت سخية، لأي معلومات، قد تؤدي إلى تعطيل الآلية المالية لحزب الله، الذي تعتبره واشنطن منظمة إرهابية عالمية.

ووفقا لبيان صادر عن الخارجية الأميركية، تبحث واشنطن عن أي معلومات تتعلق بأنشطة أو شبكات الدعم المالي للحزب، بما في ذلك الخبراء الماليون والوسطاء، كالأعضاء الثلاثة الذين ذكرتهم الخارجية.

ثم يأتي دور مكاتب الصرافة، حيث تشير تصنيفات وزارة الخزانة الأميركية إلى تبادل العملات الذي يتم بتلك المكاتب، ثم البنوك اللبنانية التي تعد محطة رئيسة أيضا، فقد تحدثت تقارير عن علاقة وطيدة بين حزب الله وعدد من البنوك، كما يُعتبر حزب الله مسؤولا رئيسا عن الانهيار المالي في لبنان جراء هذا التعاون المشبوه.

نزع سلاح الحزب لن ينهي حالته التنظيمية والاستخباراتية، وآخر مرحلة هي نزع سلاحه، فقد تحول حزب الله إلى أخطبوط، يمتلك الكثير من الأدوات التي تبقي حالته المجتمعية قادرة على الصمود في وجه التحديات الجمة.

وإن عملية مواجهة حزب الله تبدأ بضرب شبكاته المالية، التي تغذي نشاطه السياسي والعسكري، وضرب قيمه الفكرية والجهادية ضمن مجتمعه وأهله، وضرب مؤسساته التربوية، التي تنتج أجيالا تنتمي إلى الحرس الثوري، يتنهي حزب الله عندما تكون الدولة قادرة على أخذ مكانه في تقديماته الاجتماعية والتعليمية والوظيفية. وإن السلاح ليس إلا ذراعا من أذرعه الأخطبوطية.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة