logo

نصوحي البخاري العسكري السوري الذي أفاد وطنه بالحياد

 

لم يكن أحمد نصوح البخاري (وهو المعروف أيضا بنصوح البخاري، وتكتب أيضا نصوحي البخاري) سياسيا محترفا، ولم يخض بحار الانتماء إلى الحزبية أو الجماعات الوطنية السورية، وهي بحار متلاطمة قوية التأثير والجذب، ومع هذا فإنه رغم طابعه العسكري ورغم ماضيه العسكري استطاع أن يستحوذ على ثقة الفرقاء، وأن يكون بمثابة رئيس الوزراء القادر على التوفيق وعلى حيازة التوافق بين الساسة السوريين في مطلع الحرب العالمية الثانية.

 

شقيقه ووالده

نصوحي البخاري (1881-1962) هو شقيق الشهيد جلال البخاري، الذي حوكم في عالية وأُعدم على يد الانقلابيين الأتراك في بيروت 6 مايو/أيار 1916 مع الشهداء الوطنيين المطالبين باستقلال سورية، ابن العلامة سليم البخاري رئيس علماء دمشق، الذي حوكم أمام الديوان العرفي العثماني في عالية، ونُفي إلى بروسيا. وكان عضوا مؤسسا للجمعية الخيرية بدمشق، التي أسسها الشيخ طاهر الجزائري في أواخر القرن الـ19، ودعت للإصلاح السياسي وإعادة العمل بالدستور العثماني، الذي كان معطلا آنذاك.

وإذن، فقد كان نصوحي البخاري أحد أبرز أبناء أبرز العلماء، ومن الجدير بالذكر هنا أن هاشم الأتاسي كان ابن قاضي حمص، وأن سعد الله الجابري كان ابن قاضي حلب، وأن حسني الزعيم كان ابن المفتي في الجيش العثماني، وأن محمد سعيد الغزي كان ابن عائلة من العلماء، وأن جميل مردم بك وصلاح الدين البيطار كانا من أبناء كبار العلماء.

 

قيمته التاريخية

تتمثل قيمة نصوحي البخاري أنه حين رأس الوزارة المستقلة وجمع معها وزارات الدفاع الوطني والداخلية حائزا على ثقة رئيس الجمهورية، الذي كان في الوقت نفسه زعيما لحزب الأغلبية، لم يتورط في أي إجراء عسكري تحت شعار الحفاظ على هيبة الدولة أو الأمن أو الاستقرار، وإنما عالج الأمور كما لو أنه مدني لا عسكري، وهكذا كانت الشهور الثلاثة التي قضاها رئيسا للوزراء ما بين أبريل/نيسان 1939 ويوليو/تموز 1939 بمثابة تتويج للعمل الوطني الهادف إلى إبراز حقوق الشعب قبل حقوق السياسيين، وقبل حقوق الأحزاب.

كما أنه لم يورط السوريين في نزاع حول نازحي لواء إسكندرون، عندما اتفقت القوى الدولية على تبعيته لتركيا، بعد أن كان جزءا من سوريا منذ عهد الرئيس أحمد نامي، وفي مقابل هذا، فقد تأكد انتماء ذلك الجزء من الشمال السوري (متمثلا باللاذقية وجبل العلويين) للوحدة السورية، وكان الحفاظ على مثل هذا الوضع (قبل أن تشعل القوى الاستعمارية نيران نزعات التفتيت المماثل) يتطلب وجود سياسيين ناضجين لا يندفعون إلى مواجهات كفيلة بفقدان سوريا نفسها.

وهكذا، فإن قيمة نصوحي البخاري في تاريخ سوريا المعاصرة تتمثل في أنه كان نموذجا للمستقلين، الذين لا ينتمون إلى حزب الكتلة (وهو حزب الأغلبية يومها)، ومع هذا فقد استطاع أن يؤكد على النهج، الذي قبل به ومارسه وزراؤها في عهد الرئيس هاشم الأتاسي بدءا من وزارة جميل مردم (ديسمبر/كانون الأول 1936 فبراير/شباط 1939) ثم وزارة لطفي الحفار (فبراير/شباط 1939 أبريل/نيسان 1939).

لكن الأتاسي أصدر مرسوما بتشكيل وزارة البخاري في 8 أبريل/نيسان 1939؛ أي بعد 20 يوما من استقالة حكومة لطفي الحفار، التي كان معظم وزرائها من المستقلين، ولم تكن وزارة ذات طابع حزبي، ومع ذلك لم تستطع حلَّ الأزمة؛ بل استمرت الأزمة السياسية في سوريا، كما استمرت فرنسا بتشجيع النعرات الانفصالية في سوريا، ولا سيَّما في جبل الدروز الذي عاد سكانه الى رفع علمهم الخاص.

قدم البخاري استقالته في 15 مايو/أيار 1939 إلى رئيس الجمهورية، بسبب إصرار الفرنسيين على إعادة الحكم الذاتي إلى منطقتي العلويين والدروز، وذلك قبل أن تقدم الوزارة منهاجها إلى المجلس النيابي السوري. وقد طلب هاشم الأتاسي من الوزارة المستقيلة أن تستمر في عملها بالوكالة حتى تؤلف وزارة جديدة. وعمد الرئيس الأتاسي إلى التشاور مع "عطا الأيوبي " لتشكيل الحكومة، وكان لحوادث الجزيرة واللاذقية دور كبير في فشل عطا الأيوبي بتشكيل الوزارة، حيث هاجم فريق من الانفصاليين دوائر الدولة، وأنزلوا الأعلام السورية عنها، ورفعوا الأعلام الخاصة بالجزيرة، وطردوا الموظفين الحكوميين من المنطقة. ونتيجة لتعقد الحالة السياسية، ومماطلة الفرنسيين، وفشل هاشم الأتاسي في تأليف وزارة جديدة أخذ يفكر في تقديم استقالته من رئاسة الجمهورية، تعبيرا عن غضبه على موقف الفرنسيين.

وفي عام 1943 فاز البخاري في الانتخابات النيابية عن دمشق، وفي 19 أغسطس/آب من العام نفسه تم تعيينه وزيرا للمعارف والدفاع الوطني في حكومة "سعد الله الجابري".

 

نشأته وتكوينه العسكري

ولد أحمد نصوحي البخاري في دمشق، وفيها تلقى تعليمه، ثم تخرج من المدرسة الحربية العثمانية في إستانبول، ثم تخرج أيضا من مدرسة أركان الحرب العثمانية في إسطنبول، ونال منها رتبة رئيس، واشترك كقائد في حرب البلقان الأولى والحرب العالمية الأولى، ووقع في الأسر 9 أشهر في سيبيريا، ثم استطاع الهرب والعودة إلى تركيا في مطلع عام 1916، واشترك في حرب القفقاس برتبة عقيد كما اشترك في حرب البريطانيين في غزّة، ثم تولى قيادة الفرقة السابعة حتّى تم انسحاب الأتراك من سورية.

 

في عهد المملكة السورية

تولى أحمد نصوحي البخاري قيادة فيلق حلب ورئاسة ديوان الشورى الحربي الثاني برتبة زعيم، كما عُين البخاري مُعتمدا في مصر أوائل 1920، ثم مديرا عاما للشؤون الحربية أواخر العام نفسه، وظل يزاول هذا المنصب حتّى عام 1921.

ومن ثم مديرا عاما للشؤون الحربية في أواخر العام نفسه في حكومة "حقي العظم"، واستمر في هذا المنصب حتّى عام 1921، وفي 1922 عين مديرا للمعارف في حكومة دمشق، ووزيرا للمعارف في حكومة أحمد نامي الثانية عام 1926، ثم وزيرا للزراعة والتجارة في الحكومة نفسها.

 

الوزارات التي تولاها بعد رئاسته للوزارة

تولى البخاري عدة وزارات بعد تركه لرئاسة الوزراء، من بينها منصب وزير المعارف والدفاع الوطني في حكومة سعد الله الجابري 19 أغسطس/آب 1943.

 

في البرلمان

انتخب أحمد نصوحي البخاري نائبا عن دمشق عام 1943.

 

الدور الرائد لزوجته السيدة رفيقة العظم

كان فاعلا في الحراك العلمي والثقافي في دمشق، وداعما للحركة النسوية التي تزعمتها زوجته، وللنشاط الاجتماعي والثقافي للرابطة العربية وغيرها من الجمعيات والمنتديات، التي كانت دمشق تذخر بها، وكان قد تزوج في 1919 من رفيقة بنت ممدوح بك العظم، والتي تعد رائدة حركة تحرير المرأة، بمشاركة زوجات عدد من السياسيين والبرلمانيين الآخرين متخذات من "جمعية نقطة الحليب" بداية ذكية لنشاط اجتماعي مؤثر.

 

المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري

في صيف عام 1944 شارك البخاري في تنظيم المهرجان الألفي للفيلسوف العربي "أبي العلاء المعري" بصفته وزيرا للمعارف، بحضور رئيس الجمهورية ومشاركة الأساتذة طه حسين، محمد كرد علي، مهدي الجواهري، بدوي الجبل، ‏وقد افتتح البخاري المهرجان بكلمةٍ بليغة كان مطلعها

ولو أني حبيتُ الخلد فردا .. لما أحببت بالخلد انفرادا‏

فلا هطلت عليّ ولا بأرضي .. سحائب ليس تنتظم البلادا

 

وفاته

توفي نصوحي البخاري بدمشق في 1 يوليو/تموز 1962.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة