شعار قسم مدونات

تونس.. الشعبويّة تدخل قصر قرطاج "زَقَفُونَة"

ئيس الجمهورية قيس سعيّد بعد ظهر الثلاثاء 2 فيفري 2021 زيارة غير معلنة إلى وزارة الداخلية

 

مرّت سنة ونصف السنة على الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس، لم تكن هذه الانتخابات كسابقاتها؛ لما شهدته من صعود لأطراف وشخصيات سياسية جديدة، قدمت نفسها بديلا يمكن أن يساهم في إنجاح الانتقال الديمقراطي وقيادة قاطرة تونس نحو التنمية والازدهار والعدالة الاجتماعيّة.

يجدر الإشارة إلى أن أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية، الأستاذ قيس سعيد، هو أحد أبرز مفاجآت الانتخابات الرئاسية بالنظر إلى عدد الأصوات التي تحصل عليها في الانتخابات، و التّي تقارب 3 ملايين صوت انتخابي، في حين لم يسبق له خوض أي تجربة سياسية أو مدنية في السابق.

هب التونسيون هبة منقطعة النظير لاختيار أستاذ القانون الدستوري رئيسا لهم، حاملين فكرة دعم الرجل المتعفف والنقي والمترفع عن التجاذبات، والمستقل عن جميع التيارات، حالمين بمستقبل أفضل لوطنهم، الذي يعيش مخلفات عقود من الاستبداد والتهميش والتفقير. لا يمكننا أن ننسى كيف تغنى الجميع بالمصطلحات التي كان يستعملها الأستاذ قيس سعيد، والشخصيّات التاريخيّة التي كان يستشهد بها؛ مما جعل البعض يسميه "الإخشيدي" لكثرة الاستطرادات التي كان يقوم بها ويكررها كثيرا، ولعل أبرزها "قصّة كافور الإخشيدي مع المتنبي"، إضافة إلى تصريحاته بخصوص التطبيع مع الكيان الصهيوني حينما أجاب بعبارة "خيانة عظمى"، علاوة على عدم قبوله طرح رؤيته بخصوص الأمن القومي، بدعوى أن هذه القضايا لا تناقش أمام عدسات الكاميرا، زد على تصريحه بأن الدستور الحقيقي هو الذي يكتبه الشباب على الجدران، انتهاء بتشبيهه الثورة التونسية بالعصفور الذي خرج من القفص ولا يمكنه العودة إليه، في إشارة منه إلى أن مسار الثورة لن يعود إلى الوراء.

استمتع الجميع بالتغني حينها بساكن قرطاج الجديد بدون المبالاة بمشروعه السياسي أو أفكاره، زاعمين أنّ نظافة اليد وحدها تكفي لأن يترشح الإنسان لرئاسة الجمهوريّة، حيث وقع تهميش معطيات جوهرية تتعلّق بهذا الرئيس الجديد، لعلّ أبرزها انعدام خبرته السياسية أو المدنية، باعتباره لم يتقلّد في الماضي أي مسؤولية في حزب سياسي، ولم يُعرف عنه مواقف سياسية إضافة إلى انعدام خبرته في مجال المنظمات والجمعيات المدنية.

انتهت التخميرة مع دخول ساكن قرطاج قصره، ودخل الرئيس رقعة الواقعية السياسية رئيسا للجمهورية التونسية مع تهليل العالم وإشادته بنجاح التجربة الديمقراطية في بلد عربي صغير يسبح خارج التيار، ويقدم نموذجا لانتخابات ديمقراطية شفّافة تحتكم لإرادة الشعب.

بدأ الجميع يراقب أولى خطوات الرئيس الجديد آملين تحقيق إنجازات حقيقية، خاصة فيما يتعلق بمجال العلاقات الخارجية، وفي خضم هذا الانتظار انشغل الرأي العام الأسبوع الأول بعد تنصيب الرئيس بقضية مبدئية، وفق اعتقاد الرئيس، تتمثل برغبته في العودة ليلا لمسكنه الكائن بأحد الأحياء الشعبية في العاصمة، بدل المكوث في قصر قرطاج كما جرت العادة لكل الرؤساء، حيث انقسم الرأي العام بين مؤيدين لهذا السلوك وبين آخرين يعتبرون أنه تصرف شعبوي لن يحقق أي فائدة بالنسبة للمواطنين وما يمكن أن يسببه من مخاطر حول أمن الرئيس.

لم ينتظر الرأي العام كثيرا حتى جاءت زيارة فخامته إلى مدينة القيروان احتفالا بالمولد النبوي الشريف، حيث بادر بالجلوس وسط المسجد بجانب عموم المصلين بدون أخذ البروتوكولات بعين الاعتبار، خاصّة مع وجود رئيسي البرلمان والحكومة.

تتالت المحطّات التي تثير الغرابة في تصرفات رئيس الجمهورية إلى أن جاءت ذكرى 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، حيث تقام سنويا احتفالات بمدينة سيدي بوزيد إحياء لذكرى الثورة واستشهاد محمّد البوعزيزي، ويحضرها عادة كوادر الدولة والأحزاب السياسية ونواب الشعب ومنظمات المجتمع المدني. استغرب الجميع عدم حضور الرئيس قيس سعيّد صباحا مع انطلاق شارة الاحتفالات بحضور الشخصيات الرسمية؛ ممّا أثار حملة استياء من طرف الأهالي، الذين صوتوا له بأغلبية ساحقة في الانتخابات الرئاسيّة معتبرينه من أنصار الثورة. وبعد انتهاء الحفل الصباحي وانصراف أغلب الشخصيات الوطنية ونواب الشعب ومنظمات المجتمع المدني، أقبل الرئيس مساء إلى مدينة سيدي بوزيد وألقى خطابا وسط الجمهور في ظل غياب كل الشخصيات الرسمية للدولة.

تتالت المحطات، التي أظهر فيها الرئيس عدم رغبته المشاركة مع رموز الدولة، ومحاولاته الدائمة أن يظهر في صورة الشخص المختلف عن بقية الشخصيات الرسمية، إضافة إلى خطاباته الغريبة، التي تستبطن عداء للنخبة والتي تستعمل معاجم المؤامرة والتخوين والوعيد. كل هذه التصرفات جعلت الكثير من متابعي الشأن العام يتوقفون على دراسة شخصية الرئيس وسلوكه السياسي الغريب خاصة مع صعود موجة "الشعبوية" في العالم.

هنا يجدر بنا طرح السؤال التالي: هل صعدت الشعبوية على كرسي الرئاسة في تونس؟

بداية لا بدّ من الإشارة إلى أن الشعبوية هي سلوك سياسي يرتكز على مخاطبة مشاعر الطبقات الشعبية في بلد ما، ويتبنى خطابا سياسيا قائما على معاداة مؤسسات نظامه السياسي ونخبه المجتمعية، كما يسعى إلى توسيع الهوة بين المجتمع ونخبه واتهام جميع المختلفين عنه بالفاسدين والمارقين، الذين وجبت محاسبتهم مستغلا بذلك عواطف الناس، خاصّة إذا ما كان البلد يعيش مشكلات اقتصادية واجتماعية.

في هذا الإطار، بعد سنة و نصف من انتخاب الرئيس قيس سعيد ومتابعة سلوكه السياسي يمكننا تقديم بعض المؤشرات، التي تساعدنا على فهم شخصيته:

  • محاولاته الدائمة تجنب الحضور مع النخبة ورموز الدولة في المحطات والاحتفالات الوطنية.
  • عدم قبوله الحوار مع منتقديه والمختلفين عنه ورفض مقابلتهم.
  • اتهام أطراف "مجهولة" بالتخابر مع دول أجنبية ضد مصلحة تونس بدون ذكر الأسماء والصفات.
  • تنزيل فيديوهات على صفحة رئاسة الجمهورية تحمل شعارات معادية للنخبة وداعية لإسقاط مؤسسات الدولة (من مثل "سيّد الرئيس حل البرلمان").
  • تقديم خطابات سياسية من خلال مجلس الأمن القومي فيها تهييج لمشاعر الشعب وإذلال لرموز الدولة الحاضرين.
  • الغياب عن محافل دولية مهمة واتهام جهات سياسية تونسية "مجهولة" بتعطيل مبادراته الدولية (غير المعروفة).
  • تشبيه نفسه بالفاروق عمر بن الخطّاب في أكثر من مرة، واحتكاره لتأويل الدستور والنصوص القانونية.
  • رفضه للنظام السياسي الحالي ودخوله الدائم في معركة الصلاحيّات، ومنعه للوزراء الذين منحهم البرلمان الثقة من إجراء اليمين الدستورية.
  • التجول في الأسواق والمقاهي والشوارع وتقديم خطابات تحشيدية مضمونها محاربة الفاسدين والمنافقين وفق قوله.
  • الاكتفاء بمهاجمة المختلفين عنه بدون تقديم حلول وبدائل، وغياب منقطع النظير في السياسة الخارجية.
    كل هذه المؤشرات تجعلنا ومع كل أسف نقول إن الشعبوية تسللت إلى تونس، ووصلت إلى هرم السلطة؛ مما سيساهم في مضاعفة الأزمات الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسيّة.

 

زقفونة

هي كلمة استعارها الرئيس قيس سعيّد من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري خلال لقاء رسمي جمعه مع الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدّين الطبّوبي، حين قال

إذا كانوا يعتبرون أداء اليمين مجرد إجراء.

فحتى المرور على الصراط يوم القيامة يمكن اعتباره مجرد إجراء،

وأيضا حتى النطق بالشهادتين مجرد إجراء.

وأضاف "ذكرني موقفهم بموقف ابن القارح في رسالة الغفران للمعري "ست إن أعياك أمري فاحمليني زقفونة"، فقال ما زقفونة؟ فرد، أن يحمله وراء ظهره، فضربه ضربة دخل بها الجنة.. هذه المرة يريدون أن يضربوا ضربة يدخلون بها إلى باردو أوالقصبة".

عطفا على كل هذا، يبدو أن الشعب المخدوع بديكتاتورية الشعارات قد حمل الشعبوية إلى قصر قرطاج على ظهره أو حملها "زقفونة" كما يريد السيّد الرئيس اصطلاحها، حيث يمثّل صعود الشعبوية إلى رأس السلطة في تونس خطرا حقيقيا على التجربة الديمقراطية الناشئة، التي لا تتحمل خطابات التحريض والتقسيم وتقويض كل المنجزات خاصة السياسية منها.

في هذا المشهد الضبابي وجب على كل القوى الحية الانتباه إلى مخاطر الشعبوية، التي تهدّد المسار الديمقراطي في تونس والمسارعة في استكمال المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المحكمة الدستورية كجهة تحكيميّة لإلجام رغبات الرئيس وأهوائه الشخصية و للمحافظة على التجربة الديمقراطية في تونس.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.