logo

أحاديث مصرية بعيون سودانية

 

قد لا يكون للسودانيين صلة عرقية ودينية -عدا الجغرافية- بشعب، مثل ما لهم بالمصريين؛ إلا أنني أكاد أجزم أن الشعبين لا يعرفان بعضهما معرفة وثيقة كما يليق بعمق تلك العلاقة، والمصريون الوافدون للسودان قد تفاوتت انطباعاتهم، وكذلك السودانيون النازلون بمصر، ولم يبق لوحدة البلدين من رمز سوى طبق الفول يتقاسمونه والهم معا.

ولكن ظروفا متنوعة مكنتني على الصعيد الشخصي من معرفة المصريين عن قرب وكثب، وجعلتني أكتشف مكامن كثيرة تغيب عن أذهان الكثيرين في تعاملهم مع المصريين.

مدار ومفتاح فهم المصريين: الأرض والنيل، فالأرض الصالحة للزراعة في مصر قليلة المساحة، وتنحصر بالنيل وما حوله، وبعدها صحارٍ وبحار، يليها أقوام غزت مصر، والنيل ذاته غير قابل للتحكم فيه، فقديما كان يفيض أو ينقص أو يتزن ولا يملك الناس معه حولا ولا قوة.

ولهذه الأسباب، تعصب المصري لمصر، واعتزى لها، وانتسب إليها، فعلا بها على قبيلته وعائلته، يخاف عليها ويخشى من الخروج منها، وفي الوقت ذاته، تعلم المسالمة والعمل الجاد وعدم هدر الوقت؛ لئلا يفقد فرصته في الحياة، فالناس كثيرون والأرض قليلة.

ولهذه الضغوط أيضا مال المصري للتدين العميق، وتلبس التدين بالزهد وشيء من القدرية والتوكل، فاخترع الرهبنة لما دان بالنصرانية، ومال للزهد وأحاديثه لما أسلم، فالدين ملجؤه لفهم الحياة وتفسير الأشياء واستيعابها وامتصاصها وتمريرها، فهو يردد "المكتوب على الجبين لازم تشوفو العين".

ولهذا كله وجه آخر دنيوي، فالمصري واجه الحياة وكبدها بالنكتة والمثل والأغنية والأهزوجة، فتعزى بالمثل ليفسر ما يجري بعبارة خفيفة مسجوعة، وبالنكتة يفسر بها على بساطتها وقائع الأشياء وحوادث الأيام، والأغنية تسليه وتخفف عنه.

وفي المقابل، فإن الارتباط بالنيل وواديه والتعصب لمصر أرضا، جعل المصري أميل لإلغاء التعصب للقبيلة، والالتجاء للمدينة الجامعة، والالتفاف بأواصر مدنية كالصناعة والطوائف الدينية والأسواق والحارات، فلم تعرف مصر الحرب الأهلية ولا الطائفية، وتعززت بذلك الدولة المركزية الجامعة الضابطة للأحوال والناس سواء عدلت أو جارت، فلا عجب أن القبائل العربية، التي لم تحتمل ذلك، لجأت للسودان وقس بين الحالين جغرافيا واجتماعيا تجد كثيرا من الفروق، وليس في ذلك عيب لهذا أو لذاك؛ بل هي سنن وقوانين تعرف، فيعمل بها.

والمصري عملي، يقدر الوقت ويعرف قيمته، ولا يأنف من العمل في أي وقت أو ساعة، لشحة الأرض المزروعة وكثرة الخلق، فمن الخير أن يجني من الوقت ما يغنيه عن الناس، ويدخر منه، لا بخلا أو شحا؛ بل احتياطا، فمواسم النيل المتقلبة، وفيضاناته تلزم المصري بذلك، أما سخاؤه فـ"من الموجود" على غير تكلف أو تصنع، كما أن المصري لزهده وقدريته لحد ما، تغلب عليه القناعة، يمقت الطمع لأنه يدمر صلات الناس، و"الناس للناس" و"أهلك لا تهلك" في أرض ضيقة المساحة يتجاور الناس فيها؛ بل يلتصقون.

والمصري مسالم، إلا إذا أحس بخطر عميق كبير، فعند ذلك تستنفر غريزته كلها للدفاع، وقتاله إنما هو للأرض فهي عنده "عرض"، فيقاتل ولأقصى حد، ومن اللطيف أن الثأر ذاته يرجع لذات العلة، فالثأر يساوي -كما حلل د. أحمد أبو زيد- لإنقاص "عزوة" الجماعة، وتقليل عددها وسيطرتها على أرضها -التي هي جزء من أرض صغيرة أصلا على النيل-، فينبغي الثأر لإحداث التساوي، الذي يسمح بضبط المجال العام.

اجتماعيا، يقدر المصري ذو الجاه والأخلاق معا، ولا يعتد بذي النسب كثيرا، ولا يأبه لذي المال إذا خلا من الخلق؛ بل العبرة عنده بـ"ابن الأصول"، أي الذي يسير على الأعراف، لا على الأنساب، وما ذاك إلا لضعف النزعة القبلية عند الغالبية.

والمصري مسالم، يذعن لصروف الزمان لتتابعها على شعب حكمته الإمبراطوريات العالمية المختلفة، فرأى من العجائب ما ألزمه المداراة للزمان؛ إلا أنه شعب يعرف المبادئ والقيم ويحتكم إليها، ويؤوب إليها حين العافية والسلامة، فتجد منه معدنا طيبا متزنا يقدر الأمور بقدرها، ويعمل عليها.

لقد طارت عشرتي بالمصريين فلاحيهم وأعرابهم وتركهم وعربهم وكردهم، فعرفت منهم ما عرفت ووجدت منهم ما وجدت.

فلا عدمت من المصريين خيرا.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة