logo

الدكتور مجدي وهبة الذي تنازل لبطرس غالي عن الوزارة

 

اشتهر الدكتور مجدي وهبة (1925-1991) بنبله مع زملائه وأصدقائه، ومما هو معروف للكثيرين أنه لما فُصل عدد من أساتذة الجامعة في 1954، وتوالى الفصل بعد ذلك، وأصبح الأساتذة بلا دخل ولا وظيفة، بادر الدكتور مجدي وهبة إلى إعطاء بعضهم محلات في عمارة وهبة الشهيرة، التي تملكها أسرته؛ ليفتحوا فيها مكتبة على سبيل المثال، وهذا هو ما حدث مع الدكتور لويس عوض، وبالطبع فإنه لم يكن من الذين يديرون اقتصادا ولا مكتبة، وسرعان ما أعاد المفتاح -إن لم يكن ضيّعه- إلى الدكتور مجدي وهبة.

 

زمالته لبطرس غالي

أظننا وصلنا إلى بيت من بيوت القصيد في قصتنا، وهي أنه على هذا النحو، الذي كان به مجدي وهبة متفضلا على الدكتور لويس عوض، فإنه تفضل على زميل عمره الدكتور بطرس غالي، كان الرجلان حفيدين لرئيسي الوزراء القبطيين بطرس غالي باشا ويوسف وهبة باشا، ويتميز مجدي وهبة بأن والده كان هو الآخر وزيرا، بينما والد بطرس غالي آثر أن يشتغل بالزراعة فلاحا موسرا صاحب أطيان، وقد كان الصديقان من جيل واحد في التعليم، وإن كان بطرس غالي أكبر في السن؛ لأنه لم يتلق تعليما نظاميا من أول حياته مثل مجدي وهبة، لكنهما في النهاية تخرجا في دفعة واحدة في كلية حقوق جامعة القاهرة 1946، وذهبا إلى باريس فأتما دراسة دبلوم القانون الدولي في أسرع وقت، واكتفى بطرس غالي بالتخصص في القانون والعلاقات الدولية؛ لكن مجدي وهبة اندفع إلى دراسة الأدب الإنجليزي.

ولما كان التعليم البريطاني لا يعرف البداية الموازية من أعلى، وإنما يستلزم أن تحصل على درجة الليسانس في التخصص قبل أي دراسة عليا تجريها، فقد درس مجدي وهبة الأدب الإنجليزي في المرحلة الجامعية، ثم حصل على شهاداته العليا فيه، وبالطبع لم تكن كلية الآداب المصرية في 1952 لترحب بمثل هذا الخريج، وهكذا بدأ حياته مدرس لغة، وهي وظيفة موازية من الوظائف الجامعية غير الأكاديمية؛ أي إنها تبدأ وتنتهي بكونك مدرس لغة بكادر الوظائف العامة لا الجامعية، ثم استطاع أن ينتقل إلى الكادر الجامعي.

 

إيثاره زميله لتولي الوزارة

يقال، والعهدة على الراوي، والرواة كثيرون في هذه الحالة التي لا يمكن أن تكون مختلقة تماما، وإن كان من الممكن أن تكون قد تعرضت لبعض الأركان المكملة للصورة، حيث إن السيدة جيهان السادات أنهت إلى الدكتور مجدي وهبة رغبتها في أن تنتفع مصر بعلمه وفضله في منصب الوزارة؛ لكن الدكتور مجدي وهبة قال لها إنه سيرشح صديقه الذي هو أولى بالمنصب؛ لأنه يتمناه، ورشح بطرس غالي، فكان بطرس غالي هو من قاد خطوات نفسه عبر المنصب الوزاري 1977-1991 ثم في الأمم المتحدة من 1992-1997 بفضل مجدي وهبة وحده.

نحن نتحدث هنا عن مجدي وهبة، وبالتالي فلا مجال للحديث الوافي عن أن بطرس غالي كان مؤهلا للوصول إلى منصب الوزارة بطريقة أو أخرى، ومع هذا، فإننا بطبعنا نحرص أن نثبت الحقيقة، وهي أن الدكتور بطرس غالي كان مرشحا لأن يكون وزيرا برضا الدكتور مجدي وهبة وتزكية السيدة جيهان السادات، وبدون رضا الدكتور مجدي وهبة وتزكية السيدة جيهان السادات، وإلا أصبحنا مثل الذين لا يفكرون إلا بالاقتصار على نظريتي المصادقة والمؤامرة.

 

مزاياه عن بطرس غالي تجعل بطرس غالي أنسب لمنصب الوزير

ومن المفيد هنا أن نقول إن أي مقارنة بين هذين الزميلين تصب لمصلحة الدكتور مجدي وهبة، بيد أن الدكتور بطرس غالي بلغة السياسة المصرية يتميز عن الدكتور مجدي وهبة ببعض المميزات؛ منها أنه قادر على التعامل المصري غير المترفع مع المصريين، مستغلا في هذا بديهة ثقافية حاضرة تجعله يقفز على المعطيات، ويخرج من المآزق، بينما لم يكن الدكتور مجدي وهبة بنبله وترفعه قادرا على إدارة مثل هذه المماحكات المصرية المتكررة، كذلك فإن بطرس غالي كان يجيد صناعة المحاور المحدودة، ويتحمل في سبيل ذلك نقدا عنيفا لم يكن مجدي وهبة ليقبله على نفسه، وبالإضافة إلى هذا فإن مجدي وهبة كان عالما حقيقيا راهبا في علمه منشغلا بالتجويد، ولم يكن بطرس غالي ذلك الرجل، ولو أنه انشغل بالتجويد ما وجد وقتا للحضور، الذي كان يتمتع به وهو أستاذ، أضف إلى هذا كله أن حظوظ بطرس غالي من المثالية والرومانسية والتأملية كانت أقل من حظوظ مجدي وهبة، وهو ما كان مطلوبا في إطار الخواص الميكانيكية لمنصب الوزير منذ نهاية عهد السادات وطيلة عهد مبارك.

وعلى كل الأحوال، فإن أول إعجاب بطرس غالي بما أكتبه كان بما كتبته في رثاء مجدي وهبة، الذي كنت أراه مثلا يُحتذى به في توظيف الإنجليزية لخدمة اللغة العربية بذكاء، ولم أكن أعرف أبعاد علاقته ببطرس غالي ولا بغيره من المثقفين، ولهذا فقد جاء تعبيري في محله بهدوء، وجاء الإعجاب بما كتبته في محله أيضا؛ لكن الأمر الغريب أن الدكتور بطرس غالي نفسه سألني بعد سنوات (حين نُشر مقالي عن مذكراته في مجلة العربي) هل سيكون من حظه أن أرثيه بمثل ما كتبت في رثاء مجدي وهبة؟ فتعجبت، إذ لم أكن أتصور أن الانقلاب سيحدث، فيجعلني أمتنع.

 

نشأة متميزة وتكوين فريد

ولد الدكتور يوسف مجدي مراد وهبة بالقاهرة في 1925. كان والده وزيرا، أما جده فهو رئيس الوزراء المشهور يوسف وهبة. اسمه الكامل يوسف مجدي مراد وهبة؛ لكنه يعرف بالاسم الثنائي المختصر، الذي هو أيضا الاسم الفني لممثل مصري يصغره بعقدين من الزمان، كان ذا شهرة مستحقة. تلقى الدكتور مجدي وهبة تعليما مدنيا متميزا، وقد قضى المرحلتين الابتدائية والثانوية بالمدرسة الإنجليزية بالقاهرة، ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، حيث حصل على ليسانس الحقوق سنة 1946.

 

تحوله من القانون للأدب

بعد تخرجه سافر الدكتور مجدي وهبة إلى باريس في بعثة دراسية لدراسة القانون الدولي، وحصل على دبلوم عال في القانون الدولي من جامعة باريس سنة 1947، وسرعان ما اتجه بكليته إلى دراسة الأدب الإنجليزي، وبدأ دراسته من المرحلة الجامعية على نحو ما هو معمول به في نظام التعليم البريطاني، فالتحق بكلية "إكْسِتَر" بجامعة أكسفورد، وسرعان ما حَصَل منها على درجة الليسانس في الأدب الإنجليزي سنة 1949، ثم حصل على درجة جامعية أعلى من الليسانس في الأدب الإنجليزي من الجامعة نفسها في سنة 1954، وبعد ذلك حصل على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة أكسفورد سنة 1957. وبعد أن حصل الدكتور مجدي وهبة على الدكتوراه انتظم في سلك وظائف هيئة التدريس بالجامعة، فعين مدرسا للأدب الإنجليزي بكلية الآداب بجامعة القاهرة سنة 1957، فأستاذا مساعدا، فأستاذا، وكان قد عمل لفترة من الوقت مدرسا للغة الإنجليزية بكلية التجارة بجامعة القاهرة.

 

عضوية مجمع اللغة العربية

انتخب الدكتور مجدي وهبة لعضوية مجمع اللغة العربية سنة 1979 في الكرسي الـ35، الذي خلا بوفاة الأستاذ عبد الحميد حسن، وشارك في أعمال المجمع مشاركة فعالة، فكان عضوا في لجنة ألفاظ الحضارة، والفنون، والألفاظ والأساليب، والأدب، وألقى محاضرة عن بعض فنون التأليف المعجمي.

 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة