شعار قسم مدونات

إدارة الوقت في القرآن الكريم

 

جاء الإسلام بنظام شامل لجوانب الحياة ومتطلباتها، ووضع الأسس العامة والقواعد الضابطة لحركة الإنسان والكون، فقد استخدم القرآن الكريم عنصر إدارة الوقت باعتباره مسألة متصلة بالحياة الإنسانية في كل مراحلها ومتطلباتها، وهو ما جعله يدخل عالم الإدارة بشكل عام، وإدارة الوقت بشكل خاص.

وهنا نبين علاقة بعض شعائر الإسلام بالوقت؛ لنستدل بها على غيرها مما لم نذكره، حيث جاءت شعائر الإسلام اليومية منها والفصلية والسنوية والعمرية ورسالة الرسل، وكل ما يتصل بهذا الجانب مُدار ضمن الوقت المحدد له، بحيث لو تأخر عن الوقت اعترت حالته التأخر الإداري في التنفيذ، وغير ذلك من مصطلحات الإدارة، وهذا ما أكده لنا القرآن ضمن دائرة العناية بالوقت والانضباط به مع مراعاة التنفيذ قبل فوات المدة المحددة للعمل، وهو ما يجعل العمل الإسلامي مصاغا وفق صياغة دقيقة عملية ومهنية أكثر من نظريات الإدارة المعاصرة، التي تتحكم اليوم في شعاب الحياة ونظمها، وهذا ما يعطي للمسلم أسبقية في معرفته لإدارة الوقت وتنظيمه، وفق أسس حضارية أشار لها القرآن في بداية نزوله.

سأبين في فقرات هذا المقال طرفا مما أشار إليه القرآن الكريم في إدارته للوقت وعنايته به، وسبب تخلف المسلمين حينما غابت عن آذانهم إدارة الوقت وتنظيمه، والبداية في هذا مع ما جاء في سورة المرسلات، ضبط الرسالات زمنيا (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَت) [المرسلات: 10].

لكل رسالة زمانها المحدد لها في علم الغيب، وهذا ما يتحدث عنه مؤرخو الديانات حيث رُتِّبتْ وضبط زمانها وحفظ وقتها، ولم يكن الأمر عبثيا؛ بل كان محطة مهمة لضرورة تعليم علم الإدارة وتقديم المشاريع وتزمينها وفق مخطط، يمكن تنفيذها فيه، فأقِّتت الرسل لتكون ملاحظة تشد الانتباه، وتستدعي الدراسة لناظر الوقت وحركته. السيارة التي لا تعرف توقفا ولا تراجعا تلك الرسالة الوقتية، التي لم تحضر حتى اللحظة في غالب نظمنا، وما زلنا نرى أن جهة أخرى هي التي رعت الوقت، وأحسنت استخدامه مع اطلاعنا على الإشارات الراعية للوقت، التي جاء بها الإسلام بشكل مبكر، فلم تغب عن تشريعات الإسلام وما جاء به القرآن من عناية بالوقت فائقة الاعتبار، وفق مخطط زمني دقيق، حيث ربط الشرع مشاريعه العبادية اليومية بالوقت بدون غيره من متغيرات الزمان.

فقد جعل الإسلام للصلاة وقتا محددا لا يسمح بتأخرها عنه، وهو ما يضع أولوية لحفظ الوقت وإدارته، وقد حدد للصلاة دلوك الشمس وغسق الليل في إشارة لضرورة الإسراع بالعمل وتنفيذه في وقته، ولم تغب عن مجريات الوقت بقية العبادات الأخرى؛ مثل الزكاة التي دعا الشرع إلى تقديمها بعد اكتمال الحول الزمني لها، وهو يعكس صورة الساعة المعلقة في مجال المال، والمقتنيات التي يملكها الإنسان المسلم؛ ليؤكد الشرع ربطه الأمور المالية بالوقت، وهو ما يحصل اليوم في مجال الإيجار الزمني، حيث يتم استئجار الإنسان لساعات محددة ليتقاضى عليها حقا، أما ساعة الصيام لم تلبث أن تأتي حاملة معها دخول عام جديد وانقضاء آخر بما فيه من نجاح وخسارة، لم تكن كلمة الشهر التي عبر بها القرآن وربطها بالصيام اعتباطية أبدا في هذه الدلالة، والتكليف في وقت محدد للجميع يعطي صورة تخطيطية لقارئ الإدارة ومنظريها، تعكس عناية الإسلام بالوقت ومراعاته له بشكل لافت، والذي يستحق التنبيه من خلال هذه القراءة لإدارة الوقت، التي جاء بها الإسلام في أغلب شعائره المرتبطة بالوقت، وهو السر الذي يحمله الوقت، ويمكنني توضيح صورة الوقت في ملاحظتين:

الأولى: سرعة انقضاء الوقت، فهو يسير بدون توقف ولا رجوع في عملية كونية ودورية لا تعرف البطء والتراجع، وهذا ما يضع أمام الإنسان العامل في الحياة ضرورة الإسراع في الإنجاز، وبشكل دائم لكل ما يعلق بها من واجبات ومسؤوليات حتى لا يضيع الزمن، فنحن مع الوقت في سباق لا يعرف التوقف من طرف الزمن، وهو ما يحتم الإسراع في التنفيذ.

الثانية: الناس أمام الوقت سواسية، الكل يملك عمرا واحدا ومدة محددة بيوم وليلة، يتم التعبير عنها بـ24 ساعة، في قسمة عادلة يستوي فيها الكل، ويختلف الناس في اقتناصهم للوقت واستفادتهم منه، فلكل مسؤوليات ومشاغل، ولكل وقت؛ لكن الفارق يكمن في حسن الاستفادة منه، فالوقت يسري على الناس بقسمة عادلة لا زيادة فيها ولا نقص، وإنما يحصل التميز باغتنام الوقت وتوظيفه بشكل صحيح.

 

مفردات الوقت في القرآن ودلالتها في الحياة اليومية للإنسان

لقد استخدم القرآن كلمة الوقت وعبر عنها بمشتقات عدة، تعبر عن الوقت وأهميته، فمن بين العبارات التي ذكرت في القرآن: الأوقات التي أقسم الله بها في افتتاح بعض السور القرآنية، الوقت والليل والنهار والفجر والضحى والعشي والمغرب وطلوع الفجر والعصر والدهر وأيان والحين والعد والحساب، وغيرها من مفردات تعبر عن الوقت؛ مما يجعلنا أمام حصيلة كبيرة من المفردات، التي تذكر كل واحدة منها الإنسان المسلم القارئ والمتعلم أنها اللحظة التي تقع فيها له دلالة تنبيهية، وتذكير له بأنها جزء من حياته اليومية، التي يجب أن يغتنمها ويراعي واجباتها. الوقت على صعيد الإدارة الصحيحة للوقت، التي غابت عن المسلمين بشكل مبكر، وقد كان معلمنا الأول يستفيد من وقته غاية الاستفادة، ويذكر بذلك أصحابه مؤكدا لهم على ضرورة اغتنام الوقت، كما تشير لذلك أحاديث كثيرة؛ منها تؤكد أهمية إدارة الوقت، وأنه ملك للإنسان يحاسب عليه يوم القيامة، ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه. من هذه اللفتة الحضارية للوقت ندرك سبب تقدم الأمم وتأخرهم.

 

علاقة الوقت بتقدم الأمم وتأخرهم

التقدم والتأخر للأمم سنة كونية تعتريها الأسباب التي تؤثر في الحركات والمتغيرات، تلك السنة لا تعرف محاباة ولا تخضع لمعايير غير الأخذ بأسبابها، والوقت هو ميدان الحياة ووقودها المحرك لنمائها وتأخرها، فلا تتقدم أمم إلا على مجريات أحداث الوقت والاستفادة القصوى منه. إن الناظر لليابان المتقدمة وتبوئها مكانة مرموقة بين الأمم، سيرى أن من بين أسباب تقدمها احترامها للوقت والانضباط. وفي هذه الحادثة التي قامت فيها إدارة شركة "تسوكوبا إكسبريس" (TSUKUBA EXPRESS) بالاعتذار عن تأخر القطار، الذي ينطلق من طوكيو نحو أيباراكي مغطيا مسافة 58 كيلومترا، للركاب، بعد واقعة تبدو عادية في أي مكان بالعالم؛ إلا اليابان، ويعود سبب الاعتذار الذي قدمته الشركة إلى انطلاق قطار من محطة "مينامي ناغارياما" مبكرا 20 ثانية عن موعده المحدد، حيث تحرك القطار المذكور في الساعة 9:43:40 بدلا من 9:44، من المحطة العاشرة في الخط الذي يضم 20 محطة، وقد أصدرت إدارة القطار بيانا قالت فيه "القطار التابع لشركة (متروبوليتان إنترسيتي) غادر محطة مينامي ناغارياما مبكرا عن موعده المجدول بـ20 ثانية.. نحن نعتذر بشدة عن الإزعاج الشديد الذي سببناه لعملائنا". في هذه الحالة نلاحظ أهمية الوقت في حياة بعض الشعوب، واحترام حركة الوقت وجدولته، وهذا ما يعطينا تصورا عن علاقة بين التقدم وإدارة الوقت كما جاء في القرآن الكريم من عناية بالوقت.

 

توظيف الوقت بالنسبة للمسلمين

قد ينظر القارئ لواقع المسلمين اليوم بشيء من النظرة التشاؤمية المحبطة؛ لما يراه من تأخر في ميادين التقدم والعلم وعشعشة الجهل والتردي في صراعات وهمية عدمية، إلا أن ذلك لا يعني إطلاقا عدم استفادتهم من الوقت بشكل نهائي، فهنالك في عالمنا الإسلامي والعربي من يحترم الوقت ويستغله بشكل صحيح، وقد كان ذلك قديما في مجالات إدارة الوقت، رغم أن إدارة المسلمين للوقت بقيت على مر العصور في الجوانب التعبدية، حيث يلاحظ أن غالبية المسلمين بشكل تلقائي يؤدون الصلوات الخمس اليومية بشكل منتظم غالبا، وهو ما يعكس نوعا من إدارة الوقت، وهذا يستدعي منا تنميته لدى الكل بشكل صحيح استنادا على مفاهيم الوقت التي جاءت في القرآن الكريم.

إن قضية التحضر والتقدم، التي تنعم بها شعوب، هي نتاج ثمار متعددة وجهود مختلفة، ترجع في أساسها إلى قدرة المجتمعات على إدارة الوقت، وقد قدم القرآن الكريم نماذج حية للشعوب المسلمة؛ لتحافظ على الوقت وتديره إدارة سليمة تضعها على سكك النماء والتحضر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.