الإمام علي الحبشي المتعلق بالجناب النبوي

 

تعرضت المجتمعات الإنسانية في عصر العولمة لهزات عديدة؛ إذ هبت عواصف فكرية مدمرة، تستهدف نواة المجتمعات الإنسانية المرتبطة بماضيها. تذهب هذه الأفكار بالإنسان لمراجعة كل قيمة استقرت في ذهنه سواء في دينه أو أسرته أو أعرافه. إن التغيير ليس مذموما في نفسه إذا ارتبط بقيم دل الدليل القاطع على فسادها وسوئها.

أما التغيير بدون مصالح معتبرة وواضحة للعيان؛ لا المصالح المتوهمة، فهو تغيير سلبي يضر الإنسان والمجتمع. من الأفكار التي حوربت بضراوة في مجتمعاتنا الإسلامية؛ المذهبية والارتباط بالشيوخ الصالحين المصلحين، وهي أفكار كانت حصنا حصينا للمجتمعات الإسلامية خلال القرون الماضية.

إن الإنسان كما يحكي الواقع لا ينفك عن المؤثرات، فإن انفك عن قواعد المذهبية المؤطرة بعلوم دينية وعقلية تواتر على تصحيحها وتنقيحها أجيال، وانفك عمن دلت الوقائع والأحداث على صلاحهم وإصلاحهم، فإنه يصبح مصدر فتن لا تنام، وقلاقل لا تنتهي. إن اجتهاد الإنسان المسلم في البحث عن القدوات الصالحة عمل جليل يدل على الصدق في طلب الحق وأهله.

من القدوات الجليلة، التي عمرت ديارها بالخير ونشر الدين، الإمام علي بن محمد الحبشي رحمه الله، الذي ينتسب لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من آل باعلوي، وقد سكنوا وادي حضرموت منذ قرون طوال.

ولد سنة 1259 للهجرة في قرية قسم في وادي حضرموت من بلاد اليمن. أما والده فهو الحبيب محمد بن حسين الحبشي مفتي الشافعية بمكة المكرمة، وقد تولى الإفتاء فيها منذ عام 1270 للهجرة إلى وفاته رحمه الله عام 1281 للهجرة.

انتقل الإمام علي الحبشي إلى مدينة سيئون، وبدأ الدراسة فيها، وقد درس على يد أكابر علماء عصره منهم الإمام أبي بكر بن عبدالله العطاس، والإمام عبدالله بن حسين بن طاهر، وله مجموع مطبوع، والإمام عيدروس بن عمر الحبشي صاحب كتاب عقد اليواقيت، الذي جمع فيه أسانيد السادة العلويين في حضرموت.

درس على يد والده الإمام في مكة المكرمة لمدة عامين، والتقى فيها بعلماء أجلاء منهم مفتي الشافعية بعد والده الإمام أحمد زيني دحلان رحمه الله وغيره من العلماء. يذكر عن الإمام علي بن محمد الحبشي جده واجتهاده في طلب العلم، وأنه درس المنهاج على 12 شرحا إبان دراسته في مكة المكرمة.

عند عودته لسيئون، بدأ بنشر العلم في مساجدها، وخصوصا مسجد حنبل، وله فيه المواعظ الجليلة، التي تبكي القلوب، حتى شبه وعظه بوعظ الشيخ عبدالقادر الجيلاني. في عام 1296 للهجرة، أنشأ رباط العلم الشريف مع مسجد الرياض بجانبه، وهو أول رباط علمي في وادي حضرموت؛ لاستقبال طلبة العلم وتفريغهم لتحصيل العلوم الشرعية، وأوقف عليه أوقافا لاستمرار نشاطاته. وقد مدح الرباط العلامة عبدالله بن عمر الشاطري قائلا:

برباطه شمس الهداية أشرقت

ورياضه تاج العلوم مرونق

يقوم الرباط بمهمة تصعب على الكثير من المدراس الحديثة؛ إذ يزرع في رواده العلم والأدب المتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان خلقه القرآن، كما قالت سيدتنا عائشة، وهذه هي الطريقة الإسلامية في التعليم، إذ لا علم بلا أدب.

للإمام علي بن محمد الحبشي تلامذة كثيرون، وقد انتشروا في أنحاء حضرموت وغيرها من البلدان، يدرسون ويعلمون، ومن أبرز من حذا حذوه في بناء المدارس العلمية هو الحبيب عبدالله بن عمر الشاطري رحمه الله، وقد افتتح رباط تريم.

ولعل من أهم مناقب هذا الإمام هو تعلقه بالجناب النبوي، وقد نظم في مدح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الكثير من القصائد، وقيل إنها فاقت المئات، ولديه ديوان بالفصحى وديوان باللهجة العامية من 4 أجزاء. ومن قصائده في مدح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومطلعها:

هو النور يهدي الحائرين ضياؤه

وفي الحشر ظل المرسلين لواؤه

وفي أخرى مطلعها :

بك قد صفت من دهرنا الأيام

وتشرفت بوجودك الأعوام

وقد تتابعت الأمة على مدح النبي صلى الله عليه وسلم بدءا من سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه إلى الآن، وقصائد الإمام الحبشي تعبير صادق عن هذه المحبة المغروسة في فؤاد أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومظهر من مظاهر تطبيق حديثه صلى الله عليه وسلم في قوله

لا يؤمن أحدكم

حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.

ومن مظاهر المحبة، التي عليها المدار متابعته صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، وقد شهد بمتابعته للأحوال النبوية علماء عصره. ومن أهم ما ألف الإمام علي بن محمد الحبشي هو قصة المولد النبوي المسماة "سمط الدرر في أخبار مولد خير البشر وما له من أخلاق وأوصاف وسير". انتشر المولد في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي حتى وصل لشرق أفريقيا وإندونيسيا وماليزيا في شرق آسيا.

كان الإمام علي بن محمد الحبشي يقيم المولد في آخر خميس من ربيع الأول من كل عام، ويعد مولده هذا من أبرز الاحتفالات في وادي حضرموت، التي يحضرها من الخاص والعام ما يزيد على 20 ألفا، وهي تعد مظهرا للتآخي والمحبة والقبول الذي كتب لهذا الإمام.

يمثل النهج السلفي بمعناه الصحيح، الذي انتهجه الإمام علي بن محمد الحبشي في رباطه، متابعة لنهج مستقر في العالم الإسلامي، وهو نشر العلم الشرعي بأطره الصحيحة بدون غلو أو تفريط. هذا المنهج الذي يربط الماضي بالحاضر، ولا ينعزل عن الحياة العامة، يقدم للناس أجوبة عن مسائل حياتهم اليومية بدون الفتن والقلاقل التي ترميهم بها المناهج، التي لا تقوم على أسس راسخة، وتتغير مبادئها بتغير قادتها.