logo

مجدي وهبة رمز الاتزان في عصر الفتنة الطائفية

كان الدكتور مجدي وهبة (1925-1991) أستاذا من ذوي المكانة المرموقة والحضور الناصع الهادئ، كان ملء السمع والبصر منتجا مبدعا مؤثرا، موهوبا بالحب ومرهوبا بالحب.

أبدأ حديثي عن الدكتور مجدي وهبة بأكثر من طرفة من طرف تاريخنا المعاصر، التي أتيح لي أن أعرفها في وقتها، وأن أسجل بعضها فيما مضى بطريقة كلاسيكية تقليدية، بدون التطرق إلى الجوانب التي يحب الناس أن يقرؤوها، أما وقد تقدم بي العمر وأصبحت الرواية من حق القراء، فلا بد لي أن أروي الوقائع مع الاحتفاظ بقدر من التحفظ، الذي تعودت عليه.

كان المثقفون العرب يعرفون أن هناك أستاذا شهيرا قديرا متمكنا في الأدب الإنجليزي يرأس القسم في أدب القاهرة منذ بداية الخمسينيات، وكان العهد أن يظل من هو مثله رئيسا للقسم إلى أن يصل إلى سن التقاعد (وربما ما بعد سن التقاعد بحكم أنه هو أستاذ الكرسي)، وكان هذا الأستاذ الشهير يتمتع بكل إمبراطوريات الأستاذية ناقدا ومبدعا ومؤرخا وكاتبا ومهنيا، ومؤلفا مسرحيا وقصصيا.. إلخ، فضلا عن قدراته في الأستاذية، وهي قدرات غير محدودة، وقدراته الإدارية والتنظيمية، وهو الدكتور رشاد رشدي.

وكان المثقفون العرب يسمعون أصداء شكوى مريرة متكررة من الدكتور لويس عوض بأنه مستحق للمجد الأكاديمي، الذي وصل إليه الدكتور رشاد رشدي؛ لكنه حُرم من هذا المجد، لا لأنه يساري أو متقلب؛ لكن لأن الدكتور رشدي هو شقيق محمد علي بك رشدي وزير العدل في وزارة علي ماهر باشا في 1952. وكان الناس، خاصة الذين يكرهون السادات ويحقدون على كل من يحبهم السادات (أو يلتقي بهم أو يستشيرهم أو يكرمهم أو يستعين بهم)، يحبون نشر وإذاعة وترديد هذه القصة، التي تفتقد للصواب والصدق في كل جزئياتها، فقد كان الدكتور رشاد رشدي أكبر من الدكتور لويس عوض في كل شيء حتى في السن، وقد تخرج قبله، وحصل على الدكتوراه من بريطانيا في الوقت الذي فشل فيه الدكتور لويس عوض في الحصول عليها، واختار العودة بلا دكتوراه، ولم يكن العمل في وظائف التدريس يستلزم الحصول على الدكتوراه كما هو الحال الآن، ومن ثم فإن الدكتور لويس عوض حين كان مدرسا كان مدرسا بلا دكتوراه، وترك أثره في تلاميذه الأوائل من جيل كامل، وقد حصل على الدكتوراه بعد سنوات من الولايات المتحدة الأميركية.. وهكذا فإنه لم يكن هناك أي مبرر لأن يكون الدكتور لويس سابقا على الدكتور رشاد رشدي، وإن كان خريج في قسم اللغة الإنجليزية تتلمذ للدكتور لويس، في الوقت الذي كان الدكتور رشاد يتم رسالته للدكتوراه، ومن ثم يروي هذا الخريج أنه تتلمذ للدكتور لويس قبل أن يعود الدكتور رشاد من بعثته، فمثل هذه الرواية مع صدقها لا تؤسس أقدمية. وقد صادفت من مثل هذه الرواية حالات متعددة في تخصصات أخرى؛ بل إنني شخصيا استفدت منها كثيرا بسبب عمل زملائي الأقدم مني خارج مصر؛ لكن جو الشائعات والمظلومية كان يرحب بهذا إذا ما أضيف إلى الحبكة أنه يساري أو شيوعي أو معارض.. إلخ.

ومن طريف ما يُروى مما حدث بعد عقود، ولا ينبغي تأجيل روايته، أن الدكتور رشاد رشدي وجد الدكتور لويس عوض في مواجهته بحفل إحدى السفارات قرب نهاية السبعينيات، فقال له على مسمع من الحاضرين يا دكتور لويس ما رأيك فيما تقول عني؟ ما رأيك في أن نتبادل موقعينا فتأخذ مني الجامعة وأكاديمية الفنون وكل مناصبي وآخذ منك الأهرام؟ هل توافق؟، ومن الحق أن الدكتور لويس عوض، الذي لم يكن ميالا للمراوغة، رد على الدكتور رشاد رشدي بقوله لا أوافق، وهنا قال الدكتور رشاد رشدي للدكتور لويس عوض إذن فلِم الشكوى؟.

 

مجدي وهبة كان الحل الأفضل لثنائية القطبين

كان هذا هو المدخل الأول للحديث عن مجدي وهبة، وأظن أن هذا المدخل قد كشف للقارئ بكل وضوح أن مجدي وهبة مثّل الحل الأفضل للخلاص من مأزق رشاد رشدي ولويس عوض معاً؛ أي الخلاص من مأزق رشاد رشدي الذي هو صديق السادات ومستشاره الرسمي، ورئيس أكاديمية الفنون، وعدو اليسار، والدكتور لويس عوض الذي هو أقرب إلى البوهيمية الكلاسيكية مع طابع فرنسي مظهري، وزوجة فرنسية، ونشاط دائب، وحضور في المجتمع الثقافي مع نكهات يسارية وتحريضية ومعادية للدينين (الإسلامي والمسيحي)، ومعادية أيضا للفهم المصري للوطنية على وجه العموم.

وهكذا أصبح مجدي وهبة هو البديل المفضل للفوز بعضوية مجمع اللغة العربية، وعضوية المجلس الأعلى للثقافة، والمجالس القومية، وما شابه هذه المناصب ذات الطابع الاعتمادي أو التحكيمي بكل ما تتطلبه هذه المناصب من تعقل وموازنة وثقة وتعاون وسرية وتقدير للمسؤولية وسؤال للمتخصص.. إلخ.

بل من الحق أن نقول إن الدكتور مجدي وهبة كان أفضل من لويس عوض، إذا أردت من يشرف على كتابة موسوعية أو يراجعها، أو يضع تنسيقا لكتابة موسوعية أو وصفا لمصطلح، وما إلى هذا من المسؤوليات الرفيعة للأستاذية العليا.

 

أستاذتيه للسيدة جيهان السادات

ننتقل بسرعة إلى الطرفة الثانية، وهي التي تتعلق بالسيدة جيهان السادات، وتلمذتها و سطوتها معا، ومن الشائع الذي يخطئ فيه صحفيون كبار (بعضهم لم يتعلموا هم أنفسهم في الجامعة) أنها نالت درجاتها العليا الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنجليزي، بينما الحقيقة أنها نالتها في اللغة العربية وآدابها بعدما تخرجت في ذلك القسم، الذي التحقت به عندما قررت استئناف دراستها؛ بل تتويج حياتها بالشهادات الجامعية؛ لكنك لو استحضرت أرواح هؤلاء الصحفيين والكتاب الكبار، لأقسموا لك على المصحف (الذي لا يؤمنون بالقسم عليه) أنها نالت درجاتها في الأدب الإنجليزي، والحقيقة أنهم معذورون في هذا؛ لأنهم رأوا أن الأستاذ الذي أعانها على الماجستير كان هو الدكتور مجدي وهبة، الذي هو أستاذ الأدب الإنجليزي في كلية الآداب بالقاهرة.

والحقيقة أنها سجلت تحت إشراف الدكتورة سهير القلماوي، وقد كان السبب في ظن الصحفيين وجيها؛ لأنها سجلت في موضوع تم اختياره لها بحيث تبعد عن المناطق الصعبة في الأدب العربي واللغة العربية إلى منطقة من قبيل ما اختير لها بالفعل، وهو الأدب العربي المعاصر المتأثر بالشعراء الرومانسيين الإنجليز.

وهكذا كان من المنطقي أن يساعدها ويوجهها أستاذ الأدب الإنجليزي الأشهر الدكتور مجدي وهبة، ولم يكن من الوارد أن تلجأ إلى الدكتور رشاد رشدي بسبب ما هو معروف من طبائع المصريين أن السيدات عموما لا يلجأن إلى أصدقاء الأزواج في مثل هذه الأحوال.

 

تقديمه للدكتور لويس عوض

لكن الدكتور مجدي وهبة نفسه بأخلاقه النبيلة رأى أن يمنح الدكتور لويس عوض فرصة معرفة السيدة جيهان السادات، فلربما أفادته هذه المعرفة، وسنرى أن هذا النبل في شخصية مجدي وهبة كان له سوابق ولواحق، ومن الثابت أن السيدة جيهان السادات التقت بالدكتور لويس عوض في هذا الإطار؛ لكن شأنها شأن من هي في سنها وظروفها لم تكن لتفتن ولا لتعجب بطريقة لويس عوض في التفكير النقدي ولا قراءة النصوص، وهذا أمر لا يحتاج منا ولا من غيرنا إلى كثير من العناء في إثباته.

وفضلا عن هذا، فإن الدكتور لويس عوض في ذلك السن لم يكن على استعداد أو مقدرة ليعرض للسيدة جيهان السادات فكرة أو فكرتين تتعلقان بنص أو بنصين من نصوص الرومانسيين الإنجليز، وهكذا انتهى دور الدكتور لويس عوض مبكرا، وأصبح هذا الدور بمثابة "أيقونة" يمكن أن يروي حولها اليساريون قصصا، من مثل ما ذكروه بالفعل أنه ذهب إليها ليتوسط في عودة من أبعدوا عن الجامعة في سبتمبر/أيلول 1981، بيد أن الوقت كان أسرع من أن يجلس إليها في جلسة مناقشة مطولة.

 



حول هذه القصة

ذهاب الحكومة المصرية أو رئيسها محمود فهمي النقراشي باشا إلى مجلس الأمن كان في حقيقة الأمر اهتداء مُباشراً بالتجربة السورية واللبنانية التي أثمرت إعلان استقلال سوريا ولبنان في 1946.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة