هبّة فلسطين.. مع الجنود

قرّرنا التوجّه إلى المسجد الأقصى المبارك من أجل الاستعداد لقيام ليلة القدر، الليلة التي سيتلوها اقتحام المسجد من جنود من شتى بقاع الأرض (الجزيرة)

يقول مصطفى الدّباغ (توفي عام 1989) في موسوعته "بلادنا فلسطين" "وأمّا ذكريات اليهود في وطننا فلا توازي في شيء ذكريات ومقدسات المسيحيين والمسلمين أصحاب البلاد وسكانها، ففي مسارح الجمال الإلهي لفلسطين وُلد المسيح -عليه الصّلاة والسّلام- ورُفع إلى السماء، وأُسري بمحمد -عليه الصّلاة والسّلام- النبيّ العربيّ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بورك حوله، ثم عرج منه إلى السماوات العلى. في هذه الجنان المنتهبة بشّر المسيح بديانته، وفيها فرضت على محمد بليلة الإسراء الصلوات الخمس اليومية، ثاني أركان الإسلام. من هذه الأرض الطاهرة خرج الحواريون تلاميذ المسيح ورسله يبشرون برسالته، وفيها رُفات الكثير من أصحاب محمد وجند محمد". وها أنا بعد أكثر من نصف قرن أجد نفسي واقفا أمام حيّ فلسطينيّ ينتظر مصيرا يشبه مصير الدباغ رحمه الله، والذي تجرّع مرارة التهجير رغما عنه، بعدما جاءت الأخبار باقتحام القوات العبريّة مدينة يافا حيث عاش المؤلف، المدينة التي لم يسعفها بسالة أهلها في قتالهم بأن تُبقي على عروبتها، تم احتلال يافا بالحديد والنّار حالها حال سائر مدن فلسطين، وبدأت عملية طمس تراثها وتزوير ماضيها بمحاولات تهويد كلّ ما علا ثراها، وهو ما عزّاه درويش في قصيدته "لِخوف الغزاة من الذّكريات".

أمام حاجز حديدي خفيف الوزن كثير الصدأ، وقفتُ ووقفتْ مقابلي من طرف الحاجز الآخر فرقة من الجنود المدجّجين بالسّلاح، تفرّستُ في وجوههم برهة لأجد كل ثانية أُطيل وقوفي فيها هناك لا تزيدهم إلا اضطرابا، وهم المسلّحون وأنا الأعزل، وهم الجنود وأنا القروي الذي لم تمسك أنامله يوما سلاحا. وفي واقع الأمر لم أكن أعلم أنا الآخر ما وجب عليّ فعله، فقد كانت هذه المواجهة سابقة لم أصادف مثلها من قبل، إلا أنّ اضطراب الجنود وتوترهم البائن بعثا بعض الراحة في صدري وأزالا شيئا من الغمّ المتوغل فيه، وهذا بدوره جعلني أؤثر إطالة الوقوف وأن أستمر في الصمت مستمتعا برؤيتهم على تلك الحال. ولكن كما أن لكل شيء بداية فإنّ له بعد ذلك غاية. كانت فرقة الجنود تضمّ شبانا وشابات يافعين من مختلف الأعراق، هكذا أخبرني التنوّع الجليّ في ملامحهم، فذاك أفريقي أسمر البشرة جعد الشعر، وتلك بيضاء البشرة ملوّنة العينين، وذاك الشاب الطويل القامة تشي ملامحه بأنه روسي أو ألماني، الأكيد أنه لا يشبه في شيء أهل هذا الشرق الأوسط، كأنهم بتنوعهم هذا تجسيد لتكالب العالم على أهل هذا البلد، كل شيء يوحي بأن هذا وذاك وتلك من الممكن أن يكونوا أي شيء، إلّا من نفس السلالة كما يدّعون.

"هل أنت من سكان الحي؟"؛ جاء سؤال أحد الجنود لينهي سكون الموقف، "كلّا، ولكنّي هنا في زيارة"، أجبت ببرود، محافظا على حزم في النّبرة كما في النظرة على قدر ما مكنني جأشي في مواجهة الرشاش والمسدس. "لن تستطيع الدخول"، ردّ الجندي فورا بتلقائية وكأنّه يجتر كلاما قد سئم من تكراره. "لماذا؟" عدت لأطارده بالأسئلة، "هذه هي التعليمات ببساطة"، ردّ عليّ بعبرية مكسرة، تشي مجددا بأنّه على الأرجح حديث عهد في هذا البلد. لم يكن بمقدوري ولا بمقدور الشّباب الذين شاركوني الحال أن نفعل الكثير، خصوصا بعد أن نسب الجندي الأمر سريعا للجهات العليا، متنصلا من أن يكون طرفا في حوار نحاول فيه انتزاع الحقّ في دخول الحيّ بالحيلة. وقفت لحظة أعاين الجنود واحدا تلو الآخر، هؤلاء ليسوا أهل حرب، فلست ترى في أحد منهم سمات شراسة المحارب ولا سورة بأسه وشجاعته، همّ مجرّد فتيان وفتيات من بلاد غريبة جاؤوا راضين بأن يكونوا دمًى على خط المواجهة لتحصيل بعض الموارد. كان من المخيب للآمال أن أقطع كل هذا الطريق لأصل مدخل الحيّ ثم أُمنع من الدّخول من بعض المراهقين المسلّحين، ولكنني ردّدتُ في نفسي قول حكيمنا "إنّ دقيقة باقية في العمر هي أمل كبير في رحمة الله". وقبل أن أعود أدراجي كان لا بدّ أن أرمي سهما أُغيظ به تلك الدّمية العسكريّة، فرددت عليه "سنرى"، مع ابتسامة ساخرة، قبل أن أعطيه ظهري و أخطو مبتعدا.

توجّهت بعدها إلى شاب التقيت به يحاول دخول الحيّ كذلك دون جدوى، وكان بيني وبينه معرفة سابقة، فسألته إن كان يعرف مدخلا آخر للحيّ، نظر إلي مستغربا بداية ثمّ قال "نعم، هناك سبيل ضيق من الشارع المحاذي، يوصلك إلى الحيّ متجاوزا هذا الحاجز، ولكن أظنّهم قد رتّبوا الأمر وأغلقوه كذلك." لم أفكّر طويلا وأخذت القرار بأن أحاول الوصول إلى الحيّ من هناك، وناديت رفيقي وانطلقنا نحثّ خطانا، مطلقين أبصارنا، لئلا نغفل عن المدخل المذكور، وبالفعل نجحنا في إيجاده، ولكنّه كان يوم صبر لا يوم ظفر، ففور دخولنا في السّبيل المقصود رأينا في نهايته مجموعة أخرى من الجنود، هذه المرّة كانوا كلّهم من الأفارقة، وقد زاد هذا من غضبي وحميتي، أنا العربيّ الفلسطينيّ تمنعني كتيبة من الأفارقة من زيارة عرب فلسطينيين آخرين بأمر من أشكنازي أوروبي يدّعي أنّه وهؤلاء الأفارقة وغيرهم من الحمر والشّقر والصّفر أحفاد يعقوب -عليه الصّلاة والسّلام- الموعودون بأرضي! ما أدنأ استغلال الدّين لسلب النّاس حقوقهم وبلادهم.

كان بيني وبين الجنود مسافة تجبر من أراد الكلام مع الطرف الآخر أن يرفع صوته، ولم يتأخّر صوت أحد الجنود بأن يصلنا مناديا "الدّخول ممنوع، عودوا أدراجكم". وفعلا بدأ الشباب الذين كانوا معي بالتّراجع، ومنهم رفيقي، إلّا أنني مكثت مكاني وكرهت أن أبرحه، فكرر الجندي كلامه وكررت صمتي و مكثي في مكاني. وبعد وقت قصير أخذت فرقة الجنود تتّجه صوبنا، ورفيقي يشير عليّ بأن نغادر المكان وألا ندخل معارك خاسرة، والحق أن فكرة المواجهة لم تعبر بالي من الأصل، ربّما في حلم يقظة عابر ليس إلا، إذ ليس لقبضتي -مهما حازت من القوّة- أن تماثل قوة تلك الرّشاشات، ولكنّني كرهت لنفسي أن تتلقى الأوامر من هذه الدّمى التي لا تعرف للوطن معنى حتى تدّعي الدفاع عنه، ولا للبيت حُرمة وهي راضية إحاطة بيوت الأبرياء الآمنين وترويعهم استجابة للأوامر. لم أفكر بالمواجهة المباشرة نعم، لأنه احتمال خاسر بالتأكيد، إلا أنّني لم أكن لأغادر دون تعكير صفو هذه الثلة من المهاجرين المتكبّرين، فإن كنت عاجزا عن إخضاعهم، فلن أتوانى عن إزعاجهم. وبالفعل وصلت فرقة الدّمى الأفريقية إلينا وكانوا كأصحابهم الأوائل يغشاهم من الاضطراب والتوتر ما لم يحسنوا إخفاءه، وقد ظهر على محيّاهم النفور من أي مواجهة كانت، وكونهم يقفون مقابل شاب عربي يأبى أن يطيع أوامرهم على الفور، فلا ريب أن نبضات قلوبهم كانت "أسرع من المهثهثة"، قلقا من أن يُباغتوا بهجوم مفاجئ. توقف الجنود على مقربة مني محافظين على مسافة بيني وبينهم، فهم كما يبدو قد لاقوا ما يكفي ممّن سبقوني حتى تأدّبوا. ثم تكلم نفس الجندي الذي نادى فينا آنفا من بعيد "ألم تسمع ما قلته لك؟ لماذا لا تذهب من هنا ببساطة؟" ألقى كلماته تلك بهدوء وتروّ، مجددا متحدّثا بالعبريّة في زقاق في القدس، زقاق متفرّع من شارع اسمه خالد بن الوليد!، كانت كلّ هذه الملاحظات تدور في رأسي والجندي يكلمني لتثير مجاني، رغبت في أن أصرخ به و أصبّ عليه وعلى من معه جامّ غضبي ولكن هيهات، فإن بادأتُهم فماذا بعد؟ إذا تصاعد الموقف ما الحيلة؟ هنا عرفت أنّني بدأت رويدا أشارك أهل الحيّ شعورهم، فهم لا بد أرغب في هذا منّي، وهم ولا مراء أعجز من أن يفعلوا، تماما مثلي. نظرت إلى ذلك الجندي نظرة طويلة صامتة، أردت بها إيصال معنى ما، ثمّ هززت رأسي وأخذت أخطو إلى الوراء، محافظا على اتصال عيني بعينيه، بنظرة متحدّ خذلته السبل عن خوض التحدي حتى آخره.