الانطلاقة القرآنية

الانطلاقة القرآنية المرجوة تصطدم بأكثر من حاجز مادي، وأقوى من ساجف وهمي، منها ما يخص العلماء ودارسي العلوم الشرعية وحدهم بحق التدبر والنظر في القرآن الكريم (الجزيرة)

تبدأ سورة الإنسان بلمسة إلهية عظيمة عن الوجود الإنساني، مُصورَةٍ في الاستفهام الذي يؤرق القارئ المُمعن؛ ليتفكر في قصة خلقه فتثبت في نفسه حقيقة أنه لم يكُن قبلها شيئًا موزونًا يحسب له أي وزن أو مكان، ثم إذا تفكر وأدرك أحسَّ شعورًا من الفضل والاستوهاب يكسوه ويفيض عليه من السماء التي جعلت تنفض عنه ظُلمة الجهل والضعف، وتستبدل بهما نعمة المعرفة والقوة، ثم خففت عنه أثقال وطأة القدم الأولى في هذا الكون الواسع، فلا يضل ولا يشقى، بل يستقر ويطمئن، وهذا الاستفهام "هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا" (سورة الإنسان/ 1)، إنما هو للتقرير والثبوت فالمعنى "قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكُن شيئًا مذكورًا"، ووراء هذه الصيغة المُعجزة إشارات سماوية عظيمة، لا تتلقاها إلا النفوس المستشرفة لمكانة القرآن الكريم وأثره في الحياة والبعث، فمنها ما يدور في القلب عن القصد والغاية ومنها ما يتشكل في العقل عن المنشأ والرحلة والمصير.

والإنسان في رحلة مطبوع سالكها على التفكُّر الذي يسلمه إلى السؤال والحيرة والقلق رغم ما وهِب من حواس ومعارف وعلوم " إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (سورة الإنسان/ 3)، فهو مُمتحنٌ في تحديد مصيره، ولما كانت الطبيعة التي رُكبنا عليها تقتضي أن يكون لكل منا تفكيره، كان لزامًا أن نختلف في الطريق الذي نسلكه في محاولة رَحضِ النفوس مما يُدسِّيها ويسفل بها قدرًا ومنزلة، وفهم ما يعليها ويسمو بها فوق الشهوات والملذات الدنيوية المنتهية، فلا تتلذع قلوبنا في شقاء الحياة تلذع الأجوف الفارغ في النار بل تستقبله بصبر المدرك المحتسب لنتائج هذه الابتلاءات في نفسه حيًا وعند ربه ساعة الحساب فتسكن النفس بعد نفارها ولا تتسخَّط الحياة أو تتبرم بحالها.

وهذه المحاولات التي يخوضها الإنسان تجربة تلو أخرى تعكس اضطرابه المحتدم، فيقرأ في علم النفس مرة، ويلجأ إلى الفلسفة أخرى، ويركن إلى النظريات المادية تارة، ويغلو في الصور الروحية المُفككة التي لا تستند في جوهرها على أساس ديني واضح ومثبوت، ثم لا يخرج من هذا كله إلا بما تخرج به السمكة من الماء؛ وهو معلقٌ من رأسه بخيطٍ معقد من الأسئلة الطويلة، والإجابات المتأججة التي يضرب بعضها رؤوس بعض، وما دامت هذه القراءات بمعزل عن الإشارات الإلهية التي يتلقاها القارئ لكلام الله في كتابه العزيز، فهو في تخبط مستمر كالذي غنم الدابة ولم يُهدَ إلى سبيل صحيح يسوقها إليه، فيضنيها تعبًا ومشقة ويُورد نفسه الضياع والهلاك.

حتى إذا رجع وأفاق وجعل مركزية هذه الانطلاقة قرآنية خالصة استقامت له الأمور على نحو ممتنع ليس سهلًا قريبًا، لكنه يتم بالجهد المشبوب المتصل الذي يستقبل به من القرآن الكريم ما فيه من توجيه إلى مناحي الحياة المتشعبة، وقصص حكيم ينير للمستقبل طريقه ويحدد مقاصده، غير غافل عن هدي صاحب الرسالة -صلى الله عليه وسلم- فهما معًا المصباح الذي يضيء لينير لحامله الطريق "وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ" (سورة البقرة/ 151)، ولا ينفي ذلك عن القراءة بغيرهما الفائدة، بل هي موجودة ولكن في خيال المتوهِم، وهي كالمصباح لكنها تشع لتحرق ما حولها لا لتضيئه.

أما الانطلاقة القرآنية فلا تتحقق إلا بالتعمُّق في فهمه والبذل لاستبصار حقائقه، وتلقي إشاراته الخفية، ومراميه البعيدة التي تصيب النفس في كبدها بالحق المنزه، والقرآن فيه كل علوم الدين، لكنها على غير نسق واحد، فمنها ما يكون على سبيل الإجمال والإشارة، ومنها ما يكون بالتفصيل والعبارة، ولذلك عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- "من أراد علم الأولين والآخرين، فليتدبر القرآن"، فلا ينتهي القصد عند الحفظ والتلاوة، بل يتصل بالتأويل السليم والتدبر الشريف والتفسير الكاشف والاستنباط المؤصل، حتى يوفق الإنسان مع ما يقرأ ويطالع من علوم ومعارف مختلفة إلى طريقته الخاصة التي يستخرج بها في رحلته المعاني السامية والمبادئ الحاكمة التي ستشكل وقود دفعه وحفزه للقيام بدوره الذي اختصه به الله في الأرض، وفي ذلك مأثور عن أبي بكر الآجُري في كتابه أهل القرآن: "والقليل من الدرس للقرآن، مع الفِكر فيه وتدبُّره، أحبُّ إليَّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبُّر ولا تفكر فيه".

ولقد قدم الإمام الجليل محمد أبو زهرة في كتابه الفريد "زهرة التفاسير" هذا المزيج الأقرب لتحقيق ما أسميته الانطلاقة القرآنية في حياة المسلم، الذي يتعرض لنفحات الذكر الحكيم ويخلطها بما ينهل من معارف، وما يتقن من علوم، فلا يتجه إلى الأغاريب إلا إذا اضطره المعنى لذلك تحقيقًا لتمام الإدراك، على أنه لا يغفل وجوه إعجازه في الأسلوب والتصوير والإيجاز، فيطنب في البعض بغية تقريب الناس من المعاني القرآنية الموجزة في ألفاظها، المعبرة في تركيبها، الثرية في معانيها، وكذلك الحال في "التحرير والتنوير" للإمام الطاهر بن عاشور، وهو ما لم يختلف فيه أيضًا سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن"، ومن قبله " التصوير الفني في القرآن".

غير أن الانطلاقة القرآنية المرجوة تصطدم بأكثر من حاجز مادي، وأقوى من ساجف وهمي، منها ما يخص العلماء ودارسي العلوم الشرعية وحدهم بحق التدبر والنظر في القرآن الكريم، وهي نسبة مُجحفة، لا أصل ولا أساس لها إلا في رأس الوقَّافين الجُدد؛ فمعاني كلمات الله وأسرارها والبحث فيها وإخلاص فهمها مشروعة لكل خلقه، غير أنها لا تتكشف إلا لأصحاب القلوب السماوية الذين يحققون دواعي التدبر ولوازم الاستنباط ويقدمونها على غيرها، فيتجردون للطلب، أو يجعلونه على قدر مبلغهم، ومن ثم يتفاوت الخلق في الفهم والتصور بعد معرفة ظاهر التفسير.

وكذلك منها ما يتعرض له المُتدبر عند مطالعة بعض كُتب التفسير المطولة التي تغمر المعنى القرآني بسيل من الكلمات الوالجة في أعماق التركيب ومذاهبه الخارجة عن المعنى المراد؛ إذ يُدخل الإعراب على التفسير في بعض أمهات الكتب، فتضارب فيه مذاهب النحويين أشكالًا ودروبًا، والإعجاز من بعد ذلك بعيد مطوي في تبعات الاختلاف والجدال، وإنما المقصود من ذلك إذا أردنا أن نجسد هذه الانطلاقة في العقول، حتى تجد سبيلها في حياة عموم المسلمين أن تكون الإضافة من الإعراب لفائدة عظيمة في المعنى ولا تقع في نفس المُتدبر إلا به، ثم لكي لا يُصرف القارئ عما في هذه المؤلفات العظيمة من فوائد علمية وكنوز إيمانية.

ولتدبر معاني القرآن الكريم، وفهم آياته، واستشعار صوره، أثر عظيم على نفس الإنسان ينعكس على إيمانه بالزيادة، ويقينه بالقوة، وغايته بالسمو، ومقصده بالشرف، وعمله بالإخلاص، وخلقه بالتهذيب، وهو يزرع في الإنسان ما يحيي ضميره، ويرقق قلبه، ويثبته لدفع أوضار المادة، وتبديد أوهاق الشهوات، ويعيننا على فل قيد الحياة الماحق الذي يعمينا عن المراد الأسمى، والهدف الأعظم، ولئن امتزج هذا بما يحصله الإنسان من علم يخلص له البذل، أو صنعة يحسن بها الكسب، أو أي عمل تلزمه النية الخالصة، فكيف تكون الحال، وإلامَ يكون مصيرنا؟