الأسد: إما أنا أو الفوضى

blogs بشار الأسد
من المحال أن ينقلب النظام السوري الدموي الذي عرفه العالم منذ 50 عاما ليكون ذلك النظام الوديع الإنساني الذي يحارب الفساد ويحمي الفضيلة (رويترز)

لقد طلع الصبح علينا هذا اليوم والأخبار تصدح بعمليّة أمنيّة للنظام الأسدي الذي يدعي من خلالها أنّه قام بمصادرة كمّيات كبيرة جدا من المخدرات، مدسوسة في شحنة مواد غذائيّة كانت متوجهة إلى المملكة العربية السعودية.

وللتعليق على هذا الخبر، أقول: ونحن صِغار كنّا عندما نخرج إلى الحارة لنلعب مع أبناء الجيران، إن تأخر أحدُنا عن تشكيل فريقي كرة القدم واكتمل نصاب الفريقين، فإنّ المتأخر كان يَفرض على الجميع إشراكه في اللعبة، سواء بالحسنى أو بالإجبار، فكان يقول لهم عبارة "يا لَعيبة يا خريبة"، أي: إمّا أكون من اللاعبين، أو أنني سأخرّب اللعبة، وكان التخريب بوسائل عدّة منها سرقة الكرة والهرب بها.

وهكذا حرفيا يفعل اليوم النظام السوري، فهو يقول بكل صراحة للعالم: إمّا أن تقبلوا بي أو سأكون وبالا على الشعب السوري والعرب، بل على العالم بأسره.

ولا يخفى على العالم عموما وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، أنّ مَناطق سيطرة النظام السوري قد تحولتْ إلى أكبر مُستنقع للفساد والجريمة في العالم، ولا سيما تلك المواد الـمُخرّبة للعقل والجسم والمجتمع، وهي المواد المخدّرة بأنواعها المتعددة، وأصنافها الـمُعدّلة والـمُهجّنة.

ولقد تكفلتّ إيران وحزب الله والعائلة الأسديّة بتحويل مزارع وبساتين الفواكه والحمضيات والزيتون وحقول القطن وكلّ المنتجات الزراعية المفيدة في سوريا، إلى مزارع ومصانع للمخدرات، ومنها الكبتاغون، وبكمّيات لا يمكن حصرها من ضخامتها، فتُصدّره إلى العالم كله منذ بداية الثورة السورية، واستيلاء حزب الله على المنطقة الوسطى في سوريا ذات المساحات الخضراء الواسعة والخصبة، إضافة إلى كونها على الحدود السوريّة اللبنانيّة.

وأمّا بالنسبة لادعاء النظام السوري "الكبتاغوني" أنّه قد صادر كمّيات في طريقها إلى السعودية، فما هي إلا خدعة "بائتة" لا يمكن أن تنطلي على أيّ عاقل، يريد النظام من خلالها أن "يستشرف" بها محليا وعربيا ودوليا، وهذه المسرحية تحمل رسائل عدّة لأطراف كثيرة:

الرسالة الأولى إلى الجامعة العربية

فالنظام السوري يسعى جاهدا ويُدخل الوساطات من داعميه روسيا وإيران وإسرائيل، للتوسل على أعتاب الجامعة العربية، ليُعيد شغل مكانه الشاغر منذ أكثر من 10 سنوات.

الرسالة الثانية إلى المملكة السعودية

فدمشق بالإضافة إلى أنّها تلعبُ هذا الدور لتُحسّن صورتَها أمام السعودية التي يبدو أنّها تنوي اتباع الإمارات في تطبيعها معه، تقوم في نفس الوقت بدور تهديدي أيضا، فتوصل رسالة إلى الرياض ولسان حالها يقول: إن لم تسيروا على نهج الإمارات، فسأُغرِق السعوديةَ بهذه الحبوب المدمّرة التي أصنّعها محلّيا.

الرسالة الثالثة لإيران

ومن جهة أخرى، أتوقع أن تكون هذه المسرحيّة هي رسالة ضمنية لإيران، فالظاهر أنّ هناك توافقا دوليا على إيقاف التمدد الإيراني في سوريا وكفّ يدها في المنطقة، فتكون هذه الضربة الأولى لطهران وحزب الله من بشار الكيمياوي، تبعا لأوامر إسرائيل وروسيا، والخطوة الأولى في تنفيذ شروط تعويم نظام "البراميل" عبر قطع صلاته بإيران.

الرسالة الرابعة للمجتمع الدولي

ولا أستبعد أن تكون هذه اللعبة رسالة للمجتمع الدولي، وردّةَ فعلٍ على انعقاد مجلس الأمن الاثنين لمناقشة ملف انتهاكات النظام الأسدي الإجراميّة في سوريا، فيريد النظام "الكاذب" أن يقول للعالم: أنا ضدّ الجريمة، وها قد أوقفتُ شحنة المخدرات الموجهة إلى السعودية، فأنّا ضدّ أعمال إيران وحزب الله في هذه الصناعات المحرمّة، وأقوم بوظيفتي على أكمل وجه لاستعادة ثقتكم.

الرسالة الخامسة إلى شعبه

ومن المحتمل وعلى الصعيد المحلي أنّه بمسرحيته هذه يوجّه رسالة إلى شعبه المنهك المعدوم "المُعتر" الذي يذوق مرارة العيش يوميا، فيشقى في صراعه على الحياة، وقد أتتْ هذه الرسالة مع قدوم فصل الشتاء فصل البركة والخير، وهذا نعتُ الشتاء لدى جميع الأمم، أمّا عند الشعب السوري فهو "شتاء الموت"، فلا طعام ولا خبز ولا مازوت ولا غاز ولا كهرباء ولا إنترنت ولا تدفئة ولا مال ولا حياة.

يأتي المطر والبرد والزمهرير ليزيد الهموم ويثقل الكاهل، فيزيد الطين بلّة والمريض علّة، وبهذه اللعبة القذرة يقوم النظام بإلهاء هذا الشعب المظلوم، وإشغالهِ بإنجازاته الفنيّة الدرامية التي يمكن إضافتها إلى إنجازات حركته التخريبية في الفساد والإجرام والدمار الإنساني.

الرسالة الأخيرة إلى كلّ إنسان حرّ وعاقل

إنّ النظام السوري الدموي الذي عرفه العالم منذ 50 سنة في إجرامه وفساده، من المحال أن ينقلب ليكون ذلك النظام الوديع الإنساني الذي يحارب الجريمة والفساد والدمار ويحمي الفضيلة، فهذا أمر لا يمكن تصوره وتخيله، ومن المحال أيضا أن يكون هناك إنسان حرٌ عاقل يُصدّق أساليب "الجزار" الكاذبة في تلميع صورته وتحسين سُمعته، فالنظام السوري مجرم وخائن وفاسد، وغير هذا الكلام جريمة كبرى في حق الإنسانية.