كيف يتعامل أساتذة "الشريعة" مع الأطفال؟

الأخلاق الطيبة التي رأيتها في علماء الشريعة الأفاضل، هي تطبيق لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم.. (الجزيرة)

لم أستغرب حينما شاهدت دكتورا من كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بمدينة غزة، يحمل طفلة وهو يسير بها بخطوات هادئة في قاعة الامتحان، بينما كانت والدتها تؤدي اختبارا من الامتحانات النهائية في مواد التخصص. وكان يتبادل هذا الدور مع زميله الآخر الذي يشاركه المراقبة في لجنة الامتحانات، ولم يظهر أي واحد منهما تذمرا أو حتى على الأقل رفضا لفكرة أن تأتي طالبة إلى قاعة الامتحان بطفلتها الرضيعة.

هذا المشهد قد لا يكون مألوفا لدى الكثير من الجامعات الأخرى، فغالبا لا يسمح للطالبة أن تؤدي الاختبار أو حتى تحضر محاضراتها الجامعية بصحبة طلفها، لكن حقيقة في غزة كل شيء مختلف، وبالتحديد في كلية الشريعة التي ولدتُ من أحشاء علمها، وكنت وما زلت أتلقى أرقى العلوم الشرعية من علمائها الأفاضل.

ومن المواقف المشابهة الجميلة، حينما كانت إحدى زميلاتي قد أنجبت طفلة جميلة، وبعد فترة قصيرة عادت إلى مقاعد الدراسة لكن هذه المرة ليست وحدها، بل مع طفلتها. وبمجرد أن دخلت القاعة الدراسية، رحّب دكتور المساق بالطفلة وأخذ يحملها ويسأل الله تعالى أن ينبتها نباتا حسنا وهو يبتسم لها، وكان قد طلب من والدتها أن تجلس في مقعدها بينما وجد أن أفضل مكان للطفلة أن يضعها على منضدته في القاعة حتى تنعم بالهدوء ولا يصيبها أذى.

والأمر ليس بعيدا عن زميلة أخرى كنت أبادلها الابتسامة، وقبل السلام عليها أسألها عن طفلها الجميل، فقد كان يشاركنا تقريبا كل المحاضرات منذ ولادته إلى أن أصبح يسير على قدميه في القاعة الدراسة. وهذا أيضا لم يكن يزعج دكتور مادة التخصص من كلية الشريعة، بل بالعكس كان يلاعبه ويجعله يسير في أريحية بالقاعة ويعطيه القلم، مما يجعل الطفل يبتسم وهو في المحاضرة بعيدا عن البكاء. وهذا الأمر جعلني دائما أمازحها وأذكرها أن طفلها له الحق بأن يتخرج معنا على منصة حفل التخرج، فقد شاركنا أعوام الدارسة بكل فصول السنة الحارة والباردة واللطيفة كذلك.

والمشهد الجميل الذي كنت أراه دائما في معاملة دكتور فاضل في كلية الشريعة، أنه كان يلقي علينا محاضرة مادة "فقه الدلالات"، ورغم أهمية المادة والدقة في المعلومات فإنني لم أذكر يوما أنه منع طالبة من أن تحضر طفلها معها، بل بالعكس كان يحب الأطفال ويلاعبهم ويعطيهم ما يحمله درج مكتبه من الحلوى اللذيذة. وكان حينما يرى طفلا لا بد أن يلقي عليه التحية ويلاعبه قبل بدء المحاضرة، فمعاملته مع الأطفال كانت تؤكد طيب معاملته وأخلاقه التي شهدناها فيه لسنوات عديدة من الدراسة.

وأتذكر من المواقف التي مرّت أن زميلة كانت برفقة طفلها، وفي أثناء الشرح ما كان من طفلها إلا أن تحرك باتجاه المكتب الخاص بالدكتور، وكانت حركة صغيرة منه كفيلة بأن تقلب شاشة الحاسوب على الأرض، وكنت في ذلك الوقت أقرب واحدة في المكان من الطفل، فأردت أن اتجه مسرعة نحوه، فكان يوصيني الدكتور بالهدوء في الخطوات؛ لأجل الطفل، ولم يكترث لغير ذلك الأمر الذي جعلني أجلب أنظار الطفل لي حتى يبتعد عن الشاشة خوفا من أن يتعرض لأذى.

هذه المواقف وغيرها الكثير كانت كفيلة بأن أتعلم منها، فالعلم الشرعي كله مكتمل، وهذه الأخلاق الطيبة التي رأيتها في علماء الشريعة الأفاضل، هي تطبيق لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأقواله بالإحسان إلى الأطفال، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وقال: "كان إبراهيم مسترضعا له في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليُدَّخن، وكان ظئره قينا، فيأخذه فيقبله، ثم يرجع".

ولذلك من يجد في قلبه قسوة تجاه الأطفال فليراجع نفسه، فإنه يخالف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ويخالف فطرته السليمة في حب أحباب الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "من لا يَرحم لا يُرحم".

ورحم الله قارئا دعا لي ولوالدي بالمغفرة، "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (يوسف:21).