نافذة على كتاب "العولمة"

blogs العولمة
العولمة وضعية كونية جديدة تخترق كل مجالات الحياة وتترك بصماتها على مختلف جوانب العيش والتعامل (مواقع التواصل الاجتماعي)

رائع هو الانفتاح، وساحر هو الإبداع، ولذيذ هو الانطلاق الذي لا توقفه حدود.

ولكن..

أيمكن لهذه الأشياء أن تصبح مخيفة ومرعبة؟!

تساؤل قد يبدو غريبًا، ولكنه سيغدو مشروعًا ومبررًا لمن يقرأ كتاب "العولمة)" لمؤلفه الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار.

وأكاد أجزم أن من مات من أهلنا قبل 40 سنة أو يزيد قد عاش ما عاش من سنين ولم يسمع بشيء اسمه "العولمة". ويؤكد الدكتور بكار أنه لم يكن معترفًا بالعولمة في الدوائر العلمية على أنه مفهوم له أهمية قبل عقد الثمانينيات من القرن الماضي.

ولأن العولمة ظاهرة من الظواهر الكبرى ذات الأبعاد والتجليات المتعددة، والظواهر الكبرى توصف أكثر من أن تُعرَّف، فإننا سنسوق بعض وصف الكاتب لها. فهو لا يرى العولمة فكرة ولا تيارًا ولا أزمة ولا اتجاهًا، إنها وضعية كونية جديدة تخترق كل مجالات الحياة، وتترك بصماتها على مختلف جوانب العيش والتعامل. وما ذلك إلا لأنها نتائج لجملة من التطورات الكبرى التي حدثت على نحو جوهري في العالم الصناعي؛ ومنها سقوط الشيوعية وإخفاق كثير من مشروعات التنمية في الدول النامية والفقيرة، والتقدم الباهر الذي يحرزه العلم وتطبيقاته التقنية والصناعية وتغير نظرة كثير من الناس للكون والحياة، وغياب العديد من الأطر الأخلاقية والإنسانية.

تلك التطورات جعلت الغرب ومن يتحرك في فلكه، مثل اليابان ودول جنوب شرق آسيا، في مواقع القوى القادرة على التأثير والهيمنة، وعلى رأس تلك القوى تتربع أميركا التي تدفعها طاقاتها لتُدير العولمة، فتقود بها العالم.

ولكي يتسنّى لها ذلك، ينبغي لها أن تصوغ إنسانًا جديدًا،  تضع هي له الطريقة التي سيفكر بها، والاهتمامات التي ستشغله، والسلوك الذي سيضبط حركاته وعيشه. وفي سعيها للوصول إلى تلك الغاية تستخدم وسائل التأثير التي تملك مفاصلها بقوة، فشبكة الإنترنت ووسائل الإعلام ومعها حملات الإعلان والدعاية باتت لصيقة بنا لا تفارقنا، وهي تشكل قنوات عبور توصل أفكار وإملاءات قيادة العولمة إلى الإنسان الذي سيجد نفسه محاطًا بمطالب جمة تعيق رفضه الأفكار الوافدة، وبإغراءات تدفعه إلى قبولها. ويدعم السيطرة على الإنسان تفكيك ارتباطاته بأمته وعقائده ودينه بتزيين الفردية للناس، وجعلهم يشعرون بأن حقيقة وجودهم محصورة في فرديتهم، وأن كل ما عداهم أجنبيّ عنهم. وهذا يؤدي إلى عزلة المرء المعنوية والعلائقية عن الناس، ويجعل إمكانيّة تغيير معتقداته ومسلماته أقرب منالًا، فيُخلع الفرد من هويته وأسرته، وتُخلع الأسرة من مجتمعها، والمجتمع من أمته الكبرى، والأمة من رباطاتها الإنسانية، وانتمائها لأبيها آدم وأمها حواء. وبعد أن تُهمّش المفاهيم العقدية والسياسية والثقافية تبذر العولمة محلها مفاهيم اقتصادية مادية استهلاكية استمتاعية.

وإحلال المفاهيم التي تنادي بها قوى العولمة محل معتقدات الشعوب وموروثاتها الثقافية يأتي لإنتاج شعوب وحكومات تدور في فلك النظام الاقتصادي الذي تروّج له العولمة. إذ ثمة إجماع على أن مركز عمليات العولمة هو الاقتصاد والمال والتجارة وتعظيم المنافع وجني مزيد من الأرباح؛ وهذه الوضعية سوف تصبغ كل أنشطة العولمة بصباغ لا محيد عنه هو (النفعية) وتحقيق المصالح المادية الخاصة. وهذا هو بالضبط مكمن الخطورة في العولمة، وهو في الوقت نفسه سلاحها الأمضى والأقوى، فأشواق الناس إلى تكديس الثروات لا تقف عند حد، وهم يعدّون الملكية العظيمة أفضل باب لتحقيق الذات والاتصال بمعاني الخلود الدنيوي. وتبرز قوة الاقتصاد كأداة من أدوات العولمة في أنشطة الشركات المتعددة الجنسية التي تعمل على مدّ أنشطتها إلى خارج حدود بلادها، وتملك إمكانات ضخمة وميزانيات هائلة. كما تبرز في العقوبات الاقتصادية التي تُمارس للضغط على الحكومات والدول، وكذلك في دور المنظمات والاتفاقيات الدولية التي رسمت الإطار القانوني لعولمة اقتصاد العالم بما يزيد الأقوياء قوة والفقراء ضعفًا، وتجلى ذلك في إنشاء "البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي" و"منظمة التجارة العالمية".

وبالنتيجة فإن الواقع الذي تدفع إليه العولمة يسوده الاهتمام بالبحث الدائم عن المنفعة المادية الخاصة، ويتم فيه التخلي عن الروابط الدينية والإقليمية القومية لمصلحة نظام حياة في الغرب، تشكل في إطار العلمانية التي تنكر مرجعية الوحي، وتدفع على نحو صريح إلى اعتماد المرجعيات البشرية بكل ما فيها من تناقض واختلاف وتفاوت.

ويتوقف الدكتور عبد الكريم بكار عند اعتقاد البعض أن العولمة هي (أمركة) أكثر من أي شيء آخر، مع ما يعنيه ذلك من أن العولمة سوف تفقد زخمها وفاعليتها حين تتراجع هيمنة أميركا على العالم، ليبين أنه لا يوافق هذا التصور، فهو يرى أن أميركا قد تفقد كل هيمنتها أو بعضها، وذلك سوف يعني شيئًا واحدًا هو أن آليات نشر العولمة والمضامين الثقافية التي ستنقلها ستأتي إلى العالم من بلدان أخرى ذات وزن في الساحة العالمية مثل اليابان أو الصين أو الهند أو أوربا.

َويقتضي الإنصاف أن نرى الصورة كاملة بكل ما فيها من سلبيات وإيجابيات، لذلك توقف المؤلف ليستعرض الفرص التي تتيحها العولمة، ويمكن أن يستفيد منها المسلمون وغيرهم من الأمم التي تخشى هذا الاختلاط الكوني.

فالعولمة تتيح لنا استحضار الآخر ولو بصورة مؤقتة لاستكمال فهمنا لأنفسنا، وهي تحسِّن مستوى التفكير ومستوى الأداء والعطاء ومستوى التعليم، والعولمة تساعدنا على تقديم رسالة الإسلام للناس على نحوٍ لم يسبق له نظير بتوفيرها لسلطة الفضائيات وتقنيات الإنترنت التي سهلت إيصال معلومات عن الإسلام إلى أركان المعمورة. وهذا كله ليس بالشيء القليل، لكن مشكلة الأمم الضعيفة أن إمكانيّة استفادتها من الفرص المتاحة محدودة؛ وهذا ليس من ذنوب العولمة، وإنما ذلك من جملة استحقاقات التخلف وأخطاء القرون وخطاياها.

في الفصل الأخير من الكتاب يصل الدكتور عبد الكريم بكار إلى عرض رؤيته لكيفيّة التعامل مع العولمة التي يرى أنها وليدة مشكلات، وهي من جهتها توجِد مشكلات جديدة؛ والحلول لكل مشكلات العولمة ستكون غير كاملة ولا كافية، لأنها تجري في أوساط غير مشجعة ولا مواتية. أما الذي لا ريب فيه فهو أن الاستسلام للعولمة، وإغماض العين عن التطورات التي تأتي سيؤديان إلى تفاقم الأوضاع الحالية وازدياد الأمر سوءًا. وعلى هذا ينبغي المبادرة إلى تعامل صحيح مع ظاهرة العولمة، يعني تجديدًا للذات في كل أبعادها، كما يعني تغييرًا لكثير من الطروحات والمشروعات الحضارية القائمة. ويساعد على التعامل مع ظاهرة العولمة نقاط عدة منها: نشر الوعي بحقيقة هذه الظاهرة، ورفض الاستسلام لها، وتوفير إطار مرجعي للتعامل، وهذا الإطار لا يمكن تحقيقه في أمة الإسلام بعيدًا عن الإيمان بالله واليوم الآخر، وبعيدًا عن القيم الإسلاميّة الأساسيّة من نحو الإيثار والتضحية، والزهد في الدنيا، وإيثار الآخرة، وصلة الأرحام. ومع هذه وتلك تأتي أمور أخرى تسدّ الثغرات التي تستغلها العولمة، ومنها التربية الأسرية، وترسيخ إرادة التمنع على الذوبان، ودعم استعادة الدولة لوظيفتها في رعاية الوضع المعيشي العام، وإدارة الاقتصاد، وبعث إرادة التميز والاستقلال على مستوى الفرد والمجتمع والأمة.