تائه.. بين صبابة الحب ولوعة الفراق!

blogs - فراق
إنه الفراق.. زائرٌ قادم لا محالة لكل فرد منا.. (مواقع التواصل الاجتماعي)

عند سماعنا مصطلح "الحب" فإن أول ما يلمع في مخيلتنا ويدور في أذهاننا ذلك الشعور اللامتناهي الوصف الذي يغير الشخص ويقلب حياته إلى النعيم الذي طغى على وجدانه، يستلذ في كل لحظة يعيشها حتى أن الذي في جَعبته يكاد يُرى في أسارير وجهه، تصبح الحياة في عينه كما لو أنه ملك الدنيا وما فيها، تنتفض فيه البهجة وتعود روحه لريعان الشباب وتشرق من جديد تاركة خلفها ما تحمله من همّ وغمّ دفينَيْن، تغمره السعادة كطفل نسيه أبواه في مخزن حلوى.

يقول فتيان الشاغوري (ت: 615هـ) واصفا الحب:

ذو العشق يعميه الهوى ويصمه

فيصير فيه العبد وهو السيد

ولكن لا شيء يبقى على حاله مع مرور الوقت، فخفقان القلب والود الذي نكنّه لمن نحب لا بد يوما أن يتطفل عليه دخيلٌ يسلبه نعيمه ويوقظه من حلمه راميا إياه إلى واقعه المرير، تاركه أسيرَ لوعة الحزن، يتجرّع ألم البعد ويعيش حرقة تكوي قلبه جراء هذه الفاجعة.

إنه الفراق، زائرٌ قادم لا محالة لكل فرد منا، ناهشا قلبه فيصبح كالجثة المسجاة حتى أنه من شدة الحزن نسي كيف يبتسم. وكم تراودنا تساؤلات لماذا خلق الله الحب إذا كانت النهاية هي عيش حرقة الافتراق عمن نحب؟ وهل مصيرنا فقط انتظار قدومه وتجرع مرّ الوداع قبل أوانه؟!

تلك حكمة الرحمن في هذه الدنيا، لتنبهنا أنها صغيرة زائلة وفي أي رمشه عين ستتغير الحال من الحب والرخاء إلى الفراق والفناء، وأن الحب الخالد الأبدي والأزلي هو حب الله وحده جلّ في علاه، لأنه الأمان الوحيد في فوضى هذه الأرض قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) "الرحمن/ 26-27".

إذن، على المرء ألا يعلق سعادته وحبه في شيء فانٍ، فالحي يموت والحبيب يجفو والصحة تزول والمال يفنى والصديق أو الحبيب القريب يصبح بعيدا، ولكن الواحد القهار هو الباقي بعد زوال كل الحياة، فإثبات حبنا لله عن طريق اتباع مرضاته واجتناب محرماته، وأن نتذكر دوما أننا في دار فانية مؤقتة فلا نغتر ونمرح وننسى الخير والإحسان الذي هو السبيل للفوز بدار الخلود وكسب الحب الخالد والنعيم الغانم.

يقول أحمد شوقي:

دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له .. إنَّ الحياة َ دقائقٌ وثواني

فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها .. فَالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني

اتباع ما أنزل الله وابتغاء نعيمه والمسارعة نحو كسب رضاه ليس معناه أن نترك حب من يحبوننا ونعيش حياتنا نتأمل الافتراق والبعد، فلا حياة لمن ظل واقفا هاويا في انتظار ما يخبئه قدره من كدر وهَم دون عمل واغتنام الفرص، بحجة أن الحياة ستزول ولا جدوى من الاستمرار في شؤونها بشكل طبيعي، بل يجب أن نؤدي دورنا فيها من عبادة وإعمار وانتفاع بما رزقه الرزاق لنا من حب الغير والمال والبنين وشكره على نعمه الوفيرة التي لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ۖ  وَأَحْسِن كَما أَحْسَنَ اللهُ إلَيْك) "القصص/ من الآية 77).

أحبِب من شئت فإنك مفارقه

في الختام، فإنّ مختصر الحياة كما قاله جبريل -عليه السلام- للنبي ﷺ: "يا محمَّد عِشْ ما شئت فإنك ميِّت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به"، ما هو إلا تأديب للنفس ورسالة للمرء تحثه على عدم الانقياد نحو ملذات وشهوات الدنيا وإغفال ما هو أعظم في الآخرة من عيش كريم ونعيم مقيم.

إضافة إلى ذلك، فإن فيها إشارة تبين حب الله لعباده فحبه جل جلاله لنا حبُّ عطفٍ وتفضيل ورحمة ورفق، فهو يدلنا ويعيننا على التمسك بحبه الذي يسبب الرخاء والهناء وليس الهوى الدنيوي الذي لا يأتي منه إلا الجفاء والشقاء، فمن لم يستغنِ بالعزيز القدير فلا شيء سيغنيه ومن لم يكفه هذا الحب العظيم فحب الكون ومن فيه لن يكفيه.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

كلما تعلقت بشخص تعلقا أذاقك الله مرّ التعلق،

لتعلم أن الله يغار على قلب تعلق بغيره،

فيصدك عن ذاك ليردك إليه