إحياء إرث الشيوخ المجاهدين

عز الدين القسام
عز الدين القسام (الجزيرة)

أدّت سنوات الاحتلال الطويلة، والنكسات العسكرية المتتابعة، وتسلّم أنظمة استبدادية ظالمة مقاليد الحكم في الأوطان العربية في القرن المنصرم إلى نشوء أجيال مبعثرة الوعي، مقيدة بمشاعر العجز والضعف في صفوف الشعوب المسلمة. وقد كان من مصلحة أنظمة الاستعمار ووكلائها من الأعراب أن تدفن الذاكرة المسلمة في قبر بلا ضريح وتصير نسيًا منسيّا، حتى لا يكون لهذه الشعوب أمل تتغذى به كلما اشتدت أحوالها وأظلمت أيامها، ولا مستقبل تتطلع إليه وتسعى لأجله، تكون فيه متحررة من سطوة طواغيت العصر على اختلاف مشاربهم وعقائدهم.

ومن أجل امتداد عمر الهيمنة الغربية على بلاد العرب، جنّدت هذه الدول والأنظمة كثيرا من مثقفي الأمة العربية مغرية إياهم بالأموال الوفيرة والمناصب الرفيعة. وقد نتج عن هذا التجنيد أن فسد وعي كثير من أهالي البلاد واختلطت لديهم الحقائق بالأوهام، إلى أن صار تصورهم الذهني عن قضاياهم الوجودية مشوّها متشككا، وأمسى مكوثهم تحت احتلال جبري كأنه أمر لا بد منه؛ فضاعوا وضيعوا فكرة المقاومة، وتكاسلوا عن أداء واجبهم الشرعي والإنساني من بذل الأنفس والأموال لدفع ظلم الظالمين وعداء المعتدين، إلا فئة يسيرة ممن ثبتوا على الحق وجاهروا بالحقيقة غير راضين عنها بديلا، غارزين أقدامهم عميقا في أتربة بلادهم لئلا يجرفهم سيل الفكر الغربي المحتل المضلل.

ومن آثار تشوه الوعي المذكور وشعور العجز المنتشر أن خفّت موجات المقاومة المسلحة، وأخذت الدول العربية المسيسة بوكلاء من ذوي الهوى الغربي واللسان العربي تطبّع مع شياطين آل صهيون، من دون رد حازم من شعوبها إلا مظاهرات سلمية لم تؤت أكلًا ولا أسمنت من جوع. وازداد سعي هذه الدول المطبّعة في تشويه الوعي وتضليل الناس؛ فذهبوا إلى توحيد الأديان دينا واحدا تارة، دين إبراهيمي يحب أميركا ويرضى بلقيطتها إسرائيل أن تتحكم ببلاد فلسطين دون أهل فلسطين أنفسهم، في خضوع معيب ليس له وصف أقل من خيانة المستضعفين والتكاتف مع الطغاة على حق الآخرين.

ومن مثل هذه الأجندات تولدت في عقول الناس في زمننا المعاصر اعتقادات تخالف الحقيقة والتاريخ، فقد صارت النظرة أن الشيخ إنسان وادع هادئ الطباع، حسن الخلق، صبور النفس، ساع إلى الخير عملا وتعليما، بعيد كل البعد عن ميادين القتال والحرب، وهذا بالطبع لا يعزى إلا إلى الغزو الفكري الذي يعانيه سواد ليس بقليل من أبناء هذا الشعب وهذه الأمة.

أما واقع الحال فإن في تاريخ هذه الأمة من الشيوخ المحاربين ما لا يتسع المقام لذكره، وهذا بالضبط ما برهن وما زال يبرهن عليه الشيوخ من الطراز النبيل، الذين أرخصوا دماءهم وباعوا حيواتهم في حرب المحتل الغاشم. نذكر على سبيل المثال منهم الشيخ عز الدين القسام إمام مسجد الاستقلال في حيفا، الذي نادى من على منبره بضرورة حمل السلاح للدفاع عن حق الفلسطينيين في بلادهم، حتى ارتقى شهيدا في أحراش "يعبد" باذلا نفسه مع رفاقه في سبيل إتمام ما كان يراه واجبا ليس له عذر في التخلي عنه.

وفي الأسبوع الماضي شهد العالم أجمع على استمرار وجود هذه الزمرة من الشيوخ المجاهدين، عندما قام الشيخ الفلسطيني

منفذ هجوم القدس الشهيد فادي ابو شخيدممنفذ هجوم القدس الشهيد فادي ابو شخيدم (مواقع التواصل الاجتماعي)

بعملية مسلحة في محيط المسجد الأقصى المبارك، كرد منه على انتهاكات الدولة الصهيونية المتكررة والمتزايدة على أهالي القدس وعلى المسجد الأقصى في الأيام الأخيرة.

لم يكن فعل فادي فعلا ناجما عن مراهقة طائشة، فهو رجل في الثانية والأربعين من العمر، حاصل على شهادة ماجستير وفي صدد إنهاء أطروحة الدكتوراه، مدرّس محترم، وشيخ مجتهد، وزوج محب، وأب لم يشبع بعد من أولاده، وذلك يعني أنه قد فعل ما فعل عن علم ودراية، لا عن اندفاع يعزى إلى الطيش أو قلة الخبرة.

ولد فادي في أزقة القدس الشرقية، وهذا يعني أنه منذ سني الطفولة المبكرة يرى جنود الاحتلال تسعى في تدنيس مدينته، وسرقة تراثه، وترهيب أحبّته، وقتل حب الحياة في قلبه، ليجد معنى الحياة في ذلك، متنقلا بين فصول العمر طفلا ثم فتى ثم شابا ثم كهلا. تستطيع من مطالعة تطور شخصية أبو شخيدم أن ترى ثباتا نادرا في مراحله الحياتية، فلو استنطقت أفعاله وترحاله فيها لوجدتها تقول بعناد: "أنا مسلم، وأنا فلسطيني من القدس، وإن لم أنعم وقومي ومدينتي بالسلام فلن ينعم بالسلام أحد"، وهكذا حدث بعد 42 عاما من انبساط أسارير والديه فرحا بقدومه إلى العالم.

يقول نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم في بعض حديثه: "لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإن لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". ومن المهم جدا في هذا الموضع الأخذ بالحسبان أن جميع الحروب التي شارك فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت دفعا للظالمين والمعتدين، وفي هذا المعنى يصبح الجزء الأخير من حديثه من أسمى مزايا البطولة الإنسانية، فكأنه يقول للناس: "أيها الناس، ليست الحرب خيرا من السلم، فلا تتمنوا خوض غمارها، أما إذا أجبرتم عليها، فإن في خوضها لدفع المعتدين كل المجد في الدنيا وكل النعيم في الآخرة"، ولأجل هذا كان خوض غمار هذه الحرب بين دولة ورجل واحد هو التطور الطبيعي لشخصية أبي شخيدم، الذي عاش الظلم من اليوم الأول لولادته، ثم راكم المعرفة والسعي وبذر ذريته في القدس، قبل أن يقوم لحرب عدوه في يومه الأخير، وكأنه عاش في الدنيا 3 أيام ليس إلا؛ يوم ولد فيه وتعرف على الظلم، ويوم أعدّ فيه العدّة من علم وخبرة ونداء في الناس، ويوم قام فيه يصاول عدوّه غير آبه بما بذل من أثمان في سبيل ذلك. لقد ذهب فادي وترك وراءه فكرة؛ أن الحقيقة هي الحقيقة لا يغيّرها أحد، وأن الواجب هو الواجب لا يثنيك عنه أحد.

لمثل فادي، الرجل الذي لم يسمح لوعيه أن يتشوّه، ولا لقلبه أن ينحني للعجز، ولا لهمّته أن تفتر، ترفع القبعات والدعوات ويخلد الاسم في صحائف التاريخ إلى جانب الشهداء.