عصير الكتب.. لدينا أقوال أخرى

أصحاب فكرة "عصير الكتب" شباب شقّوا طريقهم وسط جحافل من الكتّاب ودور النشر العريقة التي لا تبحث عن دماء جديدة في عالم الأدب واكتفت بهدوئها حتى عزف الشباب بسببها عن القراءة (غيتي)

في عالمنا العربي اليوم صار متوسط اطلاع المواطن العربي على الكتاب لا يعادل 7 ساعات قراءة في الأسبوع الواحد، مقابل 20 ساعة عند الإسباني، أو الأوروبي بصفة عامة. والسبب غير مفهوم حتى اليوم؛ هل يعود إلى ركود الإنتاج الأدبي في عالمنا العربي فلم يعد يوجد جديد لنقدمه؟ أم إن العربي نفسه صار عازفًا عن القراءة، منشغلًا بما هو أهم -من وجهة نظره- السعي وراء لقمة العيش؟

أحسب أنها جملة أسباب مُجتمعة، وليست سببًا واحد، فالعربي لم يعد يدرك قيمة ذاته حتى يدرك قيمة الأشياء من حوله بما فيها القراءة، لم يعد يدرك قيمةً لشيء سوى المال في عالمنا الرأسمالي هذا. لذا، نرى عقلية العربي تحصر القراءة ضمن الرفاهيات غير المحققة في الأساس، فهو يسعى وراء الأساسيات (لقمة العيش) ومتى حققها كان له أن يسعى لتحقيق الرفاهيات، مُتناسيًا أن جاره على الناحية الأُخرى من البحر، الرجل الأوروبي الأبيض، ينظر إلى القراءة على أنها جلّ الأساسيات، وليست من الرفاهيات، فالكتاب عنده كالطعام والشراب والدواء، لا بد من توفره، حتى تستقيم حياته.

وقلّما توجد دور للنشر تحاول الارتقاء بعقلية ذلك العربي، مقدّمة لهو كل ما هو جديد، من آداب وترجمات وكتب علمية وثقافية، ونادرًا ما تستطيع أي دار -في زمن قياسي- أن تستقطب أغلب قرّاء الوطن العربي، بالأخص شريحة الشباب، لينهلوا من أروقتها كل ما هو جديد بين رفوفها، فليست كل دور النشر كعصير الكُتب.

ولو عدنا إلى الوراء، تحديدًا عام 2013م، سنعرف كيف بدأت عصير الكُتب؛ فكرة جمعت مجموعة من الشباب أرادوا أن يجدوا لأنفسهم مكانًا داخل عالم الكتابة والنشر، وسط جحافل من الكتّاب ودور النشر العريقة التي لا تبحث عن دماء جديدة في عالم الأدب، مثل البحيرة الراكدة، واكتفت بهدوئها، حتى عزف الشباب بسببها عن القراءة.

فكانت "عصير الكُتب" كالثورة في عالم الثقافة، بدؤوا في مجموعات للقراءة على الفيس بوك، يستبدلون الكتب المُستعملة، ويعرضون كتبهم للبيع، متأثرين بمقالات عصير الكتب للناقد الكبير علاء الديب، فتجد في مجموعاتهم نبذة عن كل كتاب تودّ اقتناءه، حتى أُتيحت لهم الفرصة في عام 2014م أن يشاركوا في معرض القاهرة الدولي للكتاب، بصحبة عدد من الكُتّاب الجدد.

استمرت "عصير الكُتب" منذ ذلك الحين في نشر الكتب الثقافية المتنوعة، كالكتب الفلسفية والدينية والتراثية، والروايات التاريخية والفلسفية والفانتازيّة والرومانسية، وصار لها وجود غالب وطاغٍ في مصر، بل في العالم العربي بشكل عام، حتى حصلت على جائزة أفضل دار نشر في معرض القاهرة الدولي عام 2020م، وصارت علَما من أعلام الثقافة الشبابية.

"عصير الكتب" اليوم

في أثناء كتابة هذا المقال، تتعرض "عصير الكُتب" لحملة شرسة وممنهجة من بعض الصحفيين بغية تشويه صورتها، والتقليل من شأنها، بتلفيق بعض الاتهامات لها، وبطبيعة الحال أكثر الاتهامات الفعّالة في عالمنا العربي إما أن تكون دينية أو سياسية، والثانية كانت من نصيب الدار.

فهذا حال كل ناجح في وطننا العربي، لا بد له من دفع الثمن، وقد قال العالم المصري العظيم أحمد زويل "الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء؛ هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل!"، فبدلًا من الافتخار والاعتزاز بمثل تلك الدور التي وفرت ساحة ثقافية لفئة شبابية كبيرة، أخذ البعض في محاربتها. وتهديد عصير الكُتب يُعدّ صورة من صور قمع الحريات الثقافية في الوطن العربي، ليس لشيء، سوى أن البعض يرفضون مبدأ التنافس، وذلك لأن العربي ينظر إلى الأدب كسوق منافسة، لا كثقافة.

وبصفتي عربيا مصريا، أرفض محاربة "عصير الكتب"، سواء اتفقت مع بعض كُتّابها أو اختلفت، إلا أن عصير الكتب ليست حكرًا على كاتب واحد، فقد قدمت صنوفًا مختلفة من الكُتب؛ 500 كتاب في الأدب والفن والعلوم المختلفة، فحين تحاول تخوين "أخونة" دار بأكملها بحجة أن فيها كاتبًا منضمًّا لإحدى الجماعات المحظورة فهذا يُعدّ أمرًا غريبًا!

وهذا ليس بالغريب في وطننا العربي، فحال المُثقف العربي كما قال الشهيد جمال حمدان في عبقريته الموسوعية (شخصية مصر):

الناقد المثقف والمفكر الوطني الحق يجد نفسه محاصرًا بين قوسين؛

مِن الإرهاب والترويع الفكري والجسدي (الحاكم الطاغية المُغتر) من جهة، والشعب المكبل المغلوب على أمره من جهة أخرى.

وهذا المثال ينطبق على العمري بشدة.

مستقبل الثقافة في مصر

المشكل الحقيقي الذي تمثله مثل تلك الهجمات والادّعاءات على دور النشر المتعددة -وعلى رأسها عصير الكتب- أن مستقبل الثقافة والحوار في مصر سيكون مهددًا، فمصر لا يجوز لبلد مثلها (في حجمها وتاريخها وقدسيتها) أن تكون في موضع التابع، ولا أن يقبل أهلها أن تصير جزءًا داخل كيان ضخم، بل مصر هي الكيان الضخم، وهي المتبوع الأوحد لدى العرب، وهي الرائدة ويجوز لها ما لا يجوز لغيرها، فنحن لا نُبالغ أبدًا حين نقول "جاءت مصر أولًا، ثم جاء التاريخ"، فهذا البلد هو الفاعل الرئيس في ريادة وقيادة الأمة العربية، فمصر قدرها أن تكون أمة عربية إسلامية، وقدرها أن تكون قلب تلك الأمة النابض، ولذا، لا يجوز أن تكون سوى شعلة للفكر والثقافة والتنوير.

ولتحقيق المراد المنشود، علينا بالعودة إلى القرن السابق، لمّا كانت الثقافة على أشدّها في عالمنا العربي، كان مركز الثقافة الرئيس مصر، فصارت كعبة المثقفين ومقصدهم من أنحاء العالم كله، وليس العربي وحده، بل كل من يريد حرية الكتابة والفكر كان عليه أن يولّي وجهه شطر بلاد الأهرامات، حتى شاعت مقولة "مصر تكتب، بيروت تطبع، بغداد تقرأ"، وتلك المقولة تشرح لك أن مصر هي رأس العروبة وقلبها ويدها.

ومرّت السنون، وحدثت التحولات، وبدأت شعلة الثقافة في مصر تخفت، وما إن خمدت في مصر حتى خفتت عند العرب جميعا، حتى ظهرت "عصير الكتب" التي أخذت على عاتقها استقطاب الكتّاب والمفكرين العرب ليكتبوا ويطبعوا في مصر، لتُعيد أمجاد الثقافة المصرية مجددا، فنجحت في ذلك، وصارت مصر من خلال "عصير الكُتب" من دون أدنى مبالغة كعبة الكتّاب والروائيين العرب.

وبعد انفجار مرفأ بيروت، بدأت دور النشر اللبنانية السعي لنقل عملها إلى مصر، لأن مصر هي الدولة العربية الأولى في معدل القراءة والنشر، لكن بعض تلك المحاولات لم تكتمل والسبب خوف تلك الدور من مصير التضييق والاتهامات التي مورست على العديد من الدور الأخرى، واليوم تُمارس على "عصير الكتب"، ومن ثمّ فبلادي (مصر) تتعرض لخطر كبير، فشابٌ مثلي لا يقبل أن تفقد بلاده تلك الريادة الثقافية أبدا، فقد قال جمال حمدان:

مصر اليوم إما أن تحوز القوة أو تنقرض، إما القوة وإما الموت، فإذا لم تصبح مصر قوة عظمى تسود المنطقة فسوف يتداعى عليها الجميع يومًا ما، كالقصعة؛ أعداء وأشقاء وأصدقاء.

لذا، حتى تسود مصر وتعود إلى الصدارة التي لا يستطيع أحد -كائنا من كان- أن يشغل مكان أرض الكنانة فيها، عليها باحتضان مثل تلك الدور الشابة الساعية وراء خلق أرضيات شبابية خصبة، و"عصير الكتب" من تلك الدور التي نجحت في تقريب الشباب إلى عالم الكتاب، فقد قدمت عوالم مختلفة، لا يكاد بيت يخلو من إصداراتها المتنوعة، ذلك لأن الشباب المصري هم قوتها الثابتة.