أبو المحاسن.. بطل معركة وادي المخازن

رغم الإسهام الكبير للشيخ في انتصار المسلمين على عدوهم فإنه ترفع عن أخذ نصيبه من المغانم عقب المعركة (مواقع التواصل)

هاجر أجداده زمن اشتداد الفتن والمحن على المسلمين في الجزيرة الإيبيرية من مالقة، واستقرّوا زمنا في فاس، ثم انتقل جده إلى الشمال الغربي، وفي مدينة القصر الكبير قاعدة بلاد الهبْط.

وُلِد العَلّامة المجتهد والشّيخ المجاهِد يوسف بن محمد الفاسي الفهري سنة 937 للهجرة (1530 للميلاد) مِن أبٍ وأمٍّ صالِحين، وتربّى في كَنَفهما، ونالَ حظَّه من التعلُّم والتأدَّب، فحفِظ كتاب الله على يد الشيخ علي العربي بمسجده في طَرْف القطّانين بالقصر الكبير.

مازَجَ بين التّصوف والتربية الروحية، فكان ذلكَ له زادا على طريق التزكية والتّخلية والتعلّق بالصالحين، كما واصل دراسة العلوم الشّرعية، فخَتم رسالة أبي زيدٍ القيرواني وألفية ابن مالك ولامِيته في اللغة، وكُتبًا أخرى كُلّها على شيخه الثاني عبد الرحمن بن محمد الخبّاز القصْري.

انتقلَت أسرته إلى فاس، وفيها استتمَّ تعليمه، متلقِّيا على يد الأكابر من أهل العلم؛ الشيخ محمد بن أحمد الـيَسِّيتْنِي، والقاضي عبد الوهّاب بن محمد الزّقاق، والخطيب عبد الرحمن بن إبراهيم الدكالي. وعاد إلى مسقِط رأسه عالمًا يَنتفع به الخواص والعوام، جامعا بين نَقاوة التصوّف وفضْل العلم، فتبرّك الناس به وأخذوا عنه، وأطْلقوا عليه منذ ذلكم الحين "أبا المحاسن". وكان بشهادة وَلَده العلّامة أبو حامد محمد العربي الفاسي "فصيحَ اللّسان متمكِّنًا من الإيضاح والبَيان، حُلْوَ العِبارة، عَذْب الإيراد، أُعْطِيَ بَسْطةً في التعبير. وكان يُطَرِّز ما يُلقيه من أنواع العلوم بنُكَتٍ صوفية، وإشارات عِرفانية، وإنشادات رَقيقة، وحكايات رَشيقة." فكان أنْ "استَقَلَّ في القَصر (الكبيرِ) برِياسَة العلم والدّين، مُنفَرِدًا في ذلكَ إمامًا مَتبوعًا، وأقام على ذلكَ أزيدَ من 20 سنة، ما قَبَض على ذلك قَطُّ فِلْسًا من أجُرة أو مَعونة، إنما كان عَمله لوجه الله تعالى". انظر: "مرآة المحاسن"، ص: 77

شيوخ العلّامة أبي المحاسن أكثر من أنْ يُعَدَّون ويُحصَون، ذلك أنه كان نهِمًا إلى العلم، طالبًا للتزكية والتربية، نذكر منهم: إبراهيم بن محمد الزُّوَّاري التونسي الأصل والفاسي الوفاة، ومحمد كانون المطَاعِي من أهل الولاية والعرفان، ومحمد بن علي الزّمراني، وعبد الله بن محمد الهَبْطي الطَّنجي، وعبد الله بن ساسي السّبيعي وهو مِن أكابر المشايخ الأعيان، ومحمد بن مخلوف الضّريسي وأحمد بن منصور الحيحي، فضلا عن أخْذِه عن شيخه عبد الرحمن المجذوب، الولي العارف بالله الذي كانت صُحبته إياه "وَهْبية اختِصاصية"، "وكان يُربِّيه بالحال، ويُرَقِّيه في مَدارِج الكمال" بتعبير العلاّمة أبو حامد الفاسي الذي أكَّد أنَّ صُحبةَ والِده السيد أبو المحاسن للصوفي المجذوب دامت 20 عاما.

لقد كان لهؤلاء الشيوخ أثر بالغ على أبي المحاسِن، الذي تأهَّلَ لمرتبة المشيخة، في العلوم والشريعة والتصوّف، فكثُر حوله الأتباع واستفاد منه العامة، وكتب الله له القَبول الواسع. وبَعْد اتِّساع شهرته عالِمًا ومُصلحا وشيخا في التربية ومرجِعا للطلبة والفقهاء وقُطْبًا للمتصوِّفين وأهل الطريقة في القصر الكبير وأنحائه؛ اتُّخِذَ له كرسي التفسير في الجامع الكبير بالمدينة، فبَرع في دروسه بالمزج بين العلوم الشرعية واللغوية واللمسات التفسيرية المبهِرة، لأنه كان "جامِعا بين الشريعة والحقيقة، مُحمَّدِيَّ الـمَشْرَب" بتعبير الدكتور الباحث حمزة الكتاني.

وإلى جانب وظيفته العلمية والتربوية؛ كان يقوم بإصلاح ذات البَين بين الناس، ويُرشدهم، ويَنصح لهم، ويُعين باحثَهُم عن الحق. وكانت دارُه مأوى المساكين ومَحَلّ رفْع الظُّلم عن المظلومين، كما كان يجتمع إليه فيها قُواد المناطق وعُمّال السلاطين والقضاة والعارفين.

أما أخلاقه وطِيبَته وتواضعه فحدِّث ولا حرج، عُرف بالسخاء والعطاء وسَعة الإكرام، شعاره قَولهُ "ما تُنفقونه في الطِّين، أنفِقوه على المساكِين"، فكانَ كثيرَ المعروف، يَعول ديارًا كثيرةً ويَقوم بمئونتها، ويَدعو أبناءه وأسرته للانخراط في الإحسان والإنفاق في سبيل الله وحُسن استعمال العطايا الربانية. ولا يَعني هذا خُلو حياة الشيخ من الإذايات التي كان يتعرّض لها من قِبل الحسّاد والفقهاء المجايلين له.

أَرْسى الشيخُ يوسف علاقات متينة مع مختلف طبقات المجتمع، وذاع صيته وعمله وعلمه في القبائل والمدن المغربية الأخرى، وقصده الناس، وجاءه طلبة العلم يأخذون عنه، وتكاتب معه العلماء والدعاة في قضايا ومواضيع عديدة يحتفظ كتاب "مرآةُ المحاسن" بأجوبة الشيخ وردوده ورسائله إلى العلماء والقضاة وسائليه من العامّة في قضايا ونوازل متعددة، فلْيُرجع إليه.

وسيُكسِبه هذا الحضورُ في الوجدان العام للمجتمع احتراما كبيرا، وشرعيةً علمية واجتماعية لا غبار عليها، سَـتَظْهر تجلِّياتها في المحطة البارزة من حياة الشيخ، تلك هي واقعة أو معركة وادي المخازن الشهيرة (4 أغسطس/آب 1578).

فما إنْ تناهى إليه زحفُ الجيوش البرتغالية الغازية صوبَ القصر الكبير -وكان عند قروب المَصيف يختلي في الفَلوات عابِدا قانتا خاليا لله- واحتلالها أصيلة وطنجة قَبل ذلك؛ حتى قام بدور التأطير الدّيني والتّحفيز للعامة، وجَمَع نفرا كثيرا وحمّسهم لجهاد النصارى، قبل وصول طلائع جيش أحمد السعدي وأخيه عبد الملك، و"أبلى فيها بلاءً حَسَنا" بتعبير العلّامة أبو حامد الفاسي في "مرآة المحاسن"، ص: 147. ووقَف موقفا بُطوليا رفعه لمقام عِلْية المجاهِدين والعلماء الراسخين العاملين. ولما أزِف موعد تلاقي الجَيشان في عزّ فصل الصيف؛ قاد جناح المَيْسَرة في المعركة، وفيه العلماء والفقهاء والمتطوّعة من الشّباب والطلبة، بينما قاد المَيمَنة المجاهِد الأمير أحمد السَّعدي مَعية جنودٍ نظاميين ومتطوعين أمازيغ وعرب وشراقة وأتراك وأندلسيين، في حين تولَّى قادة مغاربة آخرون (أبو عليّ القُوري، الحسنين الجنوي، علي بن موسى، رضوان العلج بن موسى) صفوف المحارِبين، وثَبَتَ الشيخُ أبو المحاسِن ثباتَ المؤمن، بجسارةٍ وصبْرٍ في النِّزال، إلى أنْ أتمّ الله نصره للمغاربة الأحرار على جيش البرتقيز وقائده سبستيان ومَن معه مِنْ قادة الفيالق العسكرية الإيطاليين والإسبان والألمانيين والأرمنيين الذين شاركوا في وادي المخازن وانهزَم الجَمع ووَلَّوا الدُّبُر، وفَتَحَت المعركةُ للمغربِ وللسلطة السعدية أُفقًا لم يكونوا بالغيه، وهَيْبة دولية امتدت لغاية 1844.

ويَروي السيد العربي الفاسي في مرجِعه القيّم "مرآة المحاسن مِن أخبار الشّيخ أبي المحاسِن" أنه رغم الإسهام الكبير للشيخ في انتصار المسلمين على عدوّهم؛ إلا أنه تَرفَّع عن أخذ نصيبه من المغانم عقِبَ المعركة، وتَنزَّه عنها تنزُّه العالِم الحليم، وانصرفَ إلى بيته في هدوء وتواضعٍ لا يُؤتاهما إلا ذو حظ عظيم من العلم والمروءة والأخلاق.

عاد الشيخ يوسف بن محمد الفاسي إلى المسجد، والبيت، مُتَمِّمًا أدوارَه الأبوية والعلمية والاجتماعية، ومتابِعا أحوال البلاد والعباد، فلما انتهى إليه خبر صراعات البيت السعدي مارَس دور التَّحكيم والنُّصح بالإصلاح للبيت السعدي الحاكم، حيثُ تَدَخَّل لإطفاء نارِ الخصومة والفتنة بين السلطان الأعظم أحمد المنصور الذّهبي (1549-1603) وبعض أبنائه. وكان السلطان يأخذ برأيه في عدد من الأمور المهمة، ويستشيره، ويُكِنّ له في الآن ذاته تقديرًا كبيرا. وكان الشيخ يُقابِل ذلك بالأخلاق الرفيعة، والتواضع، والواقعية في تصرّفاته السياسية. ومع ذلك لو يكُن وقَّافا بباب السلاطين ولا مِن الطامعين فيهم برياسةٍ أو وَجاهةٍ أو منصب دُنيَوي، رغم ما كان يحظى به من إجابة الطّلبات وتحقيق الرغبات، إلا أنه كان فيه من الأنفة والكبرياء الإيجابي ما يمنعه من التّملق للسلطة أو الوقوف بباب الحاكم.

وبدورهِ كان الأمير المامون بن أحمد السعدي -الذي كان وليا للعهد وخليفة لأبيه في فاس منذ 1579م- يُعظِّم الشّيخ ويُنزله مَنزلا يليق به، ويبادله الشيخ الاحترام نفسه، إلى درجة أنه رفض -بأدبٍ- أنْ تُسند إلى أحد أبنائه مهمة رئيس الخزانة العلمية الكبرى حين تأسيسها بجامع القرويين، وقال مقالته الحكيمة لأولاده: "ما كرهتُ لكم مُطالَعة الكُتب والاستفادة منها، ولكني كرهتُ لكم عَملا يُحْوِجكم إلى الوقوف بباب السلطان". كما ذكرها ابنه النّجيب في كتاب "مرآة المحاسن"، ص: 98.

تاقت نفسُ الشيخ لمغادرة القصر الكبير والاستقرار في فاس، فَحارَ في كيفية الخروج، وعلِم يقينًا أنَّ العامة أبدًا ما هُم تارِكوه لِشدّة تعلّقهم به، فأرسَل أسْرته إلى فاس في ما يُوحي بأنهم في زيارةٍ لها، وبقِيَ هو في القصر الكبير، يتلقّى زيارات الطلبة والسائلين، وبعد انصرام أيام؛ تحرَّك صوبَ فاس مُبرِّرًا خروجه باشتِياقه لزوجه وبنيه، ورغبته في مُشاركتهم بِضعة أيامٍ هناك.

وفي فاس؛ أمُّ القُرى المغربية كانت له حُظوة وأيُّ حُظوة في أوساط الساكنة، وحُبّ الناس له، حتى أنّهم لما كثُرت على الشيخ رسائل الفقهاء والعامة من القصر الكبير لكي يعود إليهم؛ راسَل أهلُ فاس أهلَ القصر الكبير حاسِمين في أمْر مكوث الشّيخ بَينهم واستِحالة خروجه من فاس. وذلك ما كان، حيثُ استقرَ نهائيا سنة 1580 في حيّ المخْفِية، مِن عُدْوَة الأندلس بفاس.

وبعد شهور قلائل على استقراره؛ بَنى مسجدًا وأرْدَفه بزاوية، وواصَل عطاءه السّخي على طلبة العلم. وَبَعد الفراغ من بناء الزاوية الفاسية في فاس أعطى الإذن لأتباعه ومُحبّيه ببناء الزاوية الفاسية في مدينة تطوان، بحَيّ العيون الشهير بالمدينة القديمة حاليا.

لم يَتوقَّف عن التدريس والتعليم طيلة مدة إقامته بفاس، حيث كانت له دروس يُلقيها كل جمعة في المسجد، وأخرى متفرِّقة خلال أيام الأسبوع في الزاوية الفاسية، ناهيك عن مراجعته دروسا في الفقه والتصوّف والحديث والتفسير مع أبنائه وأبناء إخوته وحَفدته في منزله بعُدوة الأندلس.

ذات يوم؛ اجتمع في الصلاة بالمسجد -الذي بناه بجِوار داره في المخفية- نحو 1400 مُصَلٍّ خلْف الإمام ابنه العبّاس أحمد الفاسي، فَروَّع هذا الحدث ممثِّلي السلطان بفاس، وجاء أمين الدولة الشيخ محمد بن رضوان الخزرجي النجاري إلى الشيخ يوسف الفاسي -وكان يُكِنّ له مودةً وتقديرًا كبيرين- وقال له: "إنَّ موالينا الشُّرفاء -يقصد الشرفاء السعديين حكّام الوقت- لا يحتَمِلون هذه الجموع"، فأبدى له الشيخ موافقته على الملاحظة، وتصرَّف بعقلانيةِ مَن لا يُباهِي بكثرة ازدحام الناس عند بابه أو مسجد الله، فطلب من الساكنة أن تأتيَ الصلوات في حدود ما يحتمل المسجد وصفوفه الرئيسية.

استمر في منهجه القائم على الصدق والإحسان، والذكر والعلم والعرفان، فكان منزله مفتوحا للعامة والخاصة، وفي رمضان مِن كل سنة قضاها في فاس كان يختتم صحيح البخاري، باستحداث مجلس علمي لمدارسته، وفي سائر أيامه كان يختم القرآن الكريم قراءةً في 7 أيام حسب شهادة أبنائه، وكان يُقدِّر يوم المولد النبوي الشريف من كل عام هجري، ويُكْرم الناس ويَفتح باب داره لإطعام القراء، ويَحتفي مع طلبة العلم والمشايخ ويَجلسون في حلقات لذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله، فوصَفه قاضي الجماعة بفاس العلّامة عبد الواحد بن أحمد الحُمَيْدي بــ"السيد الـمُعَظَّم، العالِم الـعَلَم، الفقيه البرَكة"، وحلّاه الشيخ الأديب محمد بن علي القنطري بــ"الإمام الأثير الطاهر الشِّيَم" وهو جدير بها الوصف وبتلك التحلية.

وبَعد حياة عامرة بالخير والصلاح والمرابطة في ثغر التربية والتعليم، والجهاد الميداني لصد العدوان؛ حلَّ مرض عضال بجسد الشيخ مدة 6 أيام، أقعده عن دروسه واستقبال زُوّاره، وبقي كذلك إلى أنْ توفاه الله ليلة الأحد 1604 -بعد سنة واحدة على وفاة السلطان الأعظم المنصور الذهبي- راضيا مرضيا، فصُلِّيَ عليه بمسجد الأندلس، بحضور جمْع غفير من أعيان فاس وعلمائها وخطباءِ مَساجدها وطلبة العلم والصالحين والفقراء، ودُفِن خارج باب الفتوح.

من أقواله ومكتوباته النافعة الطيبة التي أورَدها في بعض مراسلاته ودفاتره:

  • "اعلم أنّ البصيرة كالبَصر؛ أدنى شيء يُغيِّر النَّظَر".
  • "اعلم أنّ سِرَّ الطريق الوجهة لله عن صِدق بما يَرْضى، ومن حيثُ يَرضى، مع جمْع الهمّة عليه ونسيان ما سِواه".
  • "لازِم باب الله بُكُلِّكَ وبَعْضِك، ودَع ما سِوى الله؛ تَجِدِ الله. ومنَ وجَد اللهَ ما فقَدَ شيئا، ومَن فَقَد اللهَ ما وَجَدَ شيئا".
  • "إذا لاح نور الباطن تلاشى نور الحس".
  • "المعرفة شعور بالحقّ لا كشفا عن الحقيقة".
  • "التغافل عن العوْرات من أجَلِّ القُربات وأعظم الطاعات".

فرحمه الله وأحسن له المثوبة والجزاء.