"توغفا" و"تيكا" و"ديانت".. المثلث التركي الذي يؤرق موسكو

روسيا وتركيا في واجهة المشهد الليبي.. ما المآلات؟
الاتجاهات الرئيسية لأنشطة المنظمة في روسيا هي غالبا تعزيز دور الدين الإسلامي وتنمية الثقافة الوطنية التركية (الجزيرة)

أحيت روسيا وتركيا قبل أيام الذكرى الأليمة الخامسة لاغتيال السفير الروسي السابق لدى أنقرة، أندريه كارلوف، الذي قُتل في هجوم مسلح يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2016، في أثناء افتتاحه معرضا للصور يحمل عنوان "روسيا في عيون الأتراك".

لهذه المناسبة، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو -في لقاء مع قناة روسية- أن لدى موسكو وأنقرة "إرادة قوية مشتركة لتطوير العلاقات"، التي أصبحت بالفعل تتطور تدريجيا في مجالات التجارة والطاقة والسياحة والثقافة وغيرها، ويُنتظر أن يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما في العام المقبل نحو 30 مليار دولار.

وكذلك، اتهم أوغلو -في تصريحه الإعلامي- "مراكز قوة" لم يسمها بـ"تقويض هذه العلاقة"، إلا أن الشيطان يكمن دوما في التفاصيل. فعلى الرغم من أهمية التعاون الذي يتحدث عنه وزير الخارجية التركي، فإن هذا التعاون ملؤه الحذر والتوجس من جانب روسيا التي لا ترتاح لتحركات ونوايا أنقرة في بعض دول روسيا الاتحادية، خاصة تلك التي تتحدث اللغة التركية في شمال القوقاز. وهذا يجعل التوتر الخفي بين الطرفين -من وقت لآخر- أمرا روتينيا دائما قادرا على خلق الخلافات في أي لحظة.

ومن حيث المبدأ، هذا القلق مصدره 3 مؤسسات: وزارة الشؤون الدينية التركية (ديانت)، والوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، وصندوق الشباب التركي (توغفا). هذه المؤسسات تتبنى مشاريع وبرامج تعتبرها موسكو "مدمرة لبنية المجتمع الروسي في دول القوقاز، فتسعى للحد من تأثيرها وتعمل على تقويضها قدر المستطاع.

"تيكا"

تتركز أنشطة الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) التابعة للحكومة التركية في شمال القوقاز، إذ تشير المعلومات إلى أن الوكالة تنشط هناك، وهو ما تعتبره موسكو محاولات لـ"إثارة النزعات والاختلافات الطائفية بواسطة الإعلام".

تيكا التي تترأس قطاع الخدمات في تركيا تأخذ على عاتقها مهمة "تعزيز التعاون بين تركيا وبين شعوب الدول الناطقة باللغة التركية"، وذلك في المجالات الاقتصادية والتجارية والتقنية والاجتماعية والعلمية والتعليمية، حيث تقوم بذلك من خلال برامج محددة. هذه البرامج تستهدف تراكم ما تسميه الأوساط الروسية "العقيدة السياسة التي تتبناها أنقرة مع الخارج"، والتي ترمي إلى إنشاء ما يسمى بـ"مجتمع سياسي وثقافي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي".

تشير المعلومات أيضا إلى أن تيكا صممت برامجها لخدمة غرض واحد هو "خلق صورة مواتية لتركيا في الخارج وتنفيذ تطلعاتها الجيوسياسية من أجل دمج هذه الدول ضمن مجال النفوذ التركي".

صحيح أن تيكا لا تملك مكتبا تمثيليا في روسيا، لكن المصادر تؤكد أنها تقوم بهذه الأهداف من خلال منظمات تتبعها، فتقدم المساعدة لشعوب شمال القوقاز من أجل دمجها في "الفضاء التركي"، تحت مسمى "الدولة الأكثر رعاية" بالمعنى الاجتماعي والثقافي، وكذلك لممثلي شتات شمالي القوقاز الذين يعيشون في تركيا.

الاتجاهات الرئيسية لأنشطة المنظمة في روسيا هي غالبا تعزيز دور الدين الإسلامي، وتنمية الثقافة الوطنية التركية. فتمول تيكا مشاريعها المستهدفة بواسطة المنح وبمشاركة ناشطين من الدول نفسها، حيث يتم إيلاء الأولوية لتعزيز دور هؤلاء الناشطين في الدوائر السياسية وفي هياكل السلطة بدول شمال القوقاز وفي روسيا ككل.

يتزايد نشاط تيكا في جمهوريتي قراتشاي تشيركيسيا، وقباردينو بلقاريا، حيث لها هناك تأثير كبير تصفه الأوساط الروسية بـ"التأثير المدمر". كما تمارس تيكا نفوذا على المواطنين الروس الذين يعيشون في جمهوريات داغستان وأنغوشيا وأوسيتيا الشمالية – ألانيا، وأديغيا والشيشان، إضافة إلى إقليم ستافروبول.

نفوذ تيكا هناك له تأثير أيديولوجي على الأعراق والأديان، ويهدف إلى "تكوين نمط تفكير جديد" حول الهيئات الحكومية الفدرالية الروسية وتلك الإقليمية أيضا. ولا تكتفي تيكا بالتأثير على المسلمين فحسب، وإنما تحاول تقديم الدعم لرجال دين مسيحيين في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في دول القوقاز، حيث تتحدث التسريبات عن "محاولات لترقيتهم بعض رجال الدين إلى مناصب قيادية في التسلسل الهرمي الكنسي".

"ديانت" و"توغفا"

أما وزارة الشؤون الدينية التركية (ديانت)، فتقوم -بحسب التسريبات التي تُنشر ضمن وسائل الإعلام الغربية والروسية- بتكثيف أنشطتها لصالح "صندوق الشباب" المعروف في اللغة التركية باسم (توغفا).

هذا الصندوق يخضع لسيطرة ديانت، التي رسمت له مهمة محددة عنوانها "توعية الشباب الوطني"، لكنه يقوم بذلك بـ"روح الأيديولوجيا القائمة على مزيج من النزعة القومية والتركية"، فضلا عن "تعزيز العامل الديني بوصفه مكونا أساسيا لوحدة مختلف شعوب المجموعة التركية"، وذلك حسب اتهامات موسكو له.

ينظم توغفا في تركيا برامج تعتمد على التواصل مع الشباب من مختلف البلدان، وتتنوع عناوين هذه البرامج بين تعلم اللغات الأجنبية، والتقاليد الثقافية، وتعليم مهارات استخدام تقنيات المعلومات الحديثة لتنفيذ مبادرات مختلفة، بما في ذلك منصات الشبكات الاجتماعية.

تشير المعلومات إلى أن صندوق توغفا نظم نحو 50 مشروعا في مناطق دول القوقاز، حيث شاركت مجموعة كبيرة من الشباب الروس بنحو 12 برنامجا منها في عام 2021. وشملت هذه البرامج تطوير محتوى الفيديو على موقع يوتيوب لصالح "تلفزيون توغفا" الافتراضي، والتعليم العملي للغات الأجنبية من خلال الاتصال عبر الإنترنت ضمن برنامج اسمه "مقهى اللغة الرقمية"، إضافة إلى ورشة عمل على منصة "يوتيوب"، ودورات تدريبية على التصوير وتحرير الأخبار ونشر الفيديوهات.

تؤكد المعلومات أن برامج الصندوق حصدت اهتمام الكثير من الشباب في روسيا، وبات تأثيرها كبيرا جدا على الجمهور الروسي، خاصة خلال شهر رمضان الفائت (بين شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار 2021)، وشهد إطلاق مدونة "فيديو صامت" التي عملت على نشر العقيدة الإسلامية بين شباب منطقة القوقاز الفدرالية، وشارك بها نحو 150 مسجدا من شمال القوقاز.

مع حلول شهر رمضان، قدم صندوق الشباب دعما ماليا قدره 5 ملايين دولار لنحو 250 منظمة دينية إسلامية في مجمل روسيا، كما استقطب الشباب من خلال تقديم المساعدات المالية التي تبلغ ألف دولار لكل مواطن روسي مشارك، بالإضافة إلى منح للسفر إلى تركيا لمدة قد تصل إلى نحو أسبوعين.

الأوساط الروسية تعتبر أن هذه البرامج والمشاريع هدفها "التأثير الأيديولوجي على نفوس الشباب الروسي" ومن أجل ما تعتبره "محاولات لتكوين الأفكار الخاطئة عن الهيئات الحكومية الفدرالية والإقليمية الروسية"، فتصف هذه المحاولات بـ"الرهان الخاطئ على النهج الديني من أجل بناء النفوذ".