شعار قسم مدونات

حاتم الطائي.. كريم الجاهلية الذي حياه الإسلام

تأملات - لم كذب الأعرابي على حاتم الطائي؟
كانت مسألة الجود عند حاتم عبارة عن استعداد داخلي جارف من أجل منْح العون والمساعدة.. (الجزيرة)

سُمعة تملأ الآفاق وتمجيد متسلسل عبر الزمان، تلك هي الحظوة التي رافقت اسم حاتم الطائي (ت: 605م) الذي مثّل في الذاكرة العربية العنوان البارز للكرَم والسخاء والإيثار فكانت العرب تقول "السخاء حاتم، والشعر زهير"، أي أن السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير" وفق ما نعاينه في مؤلفات تراثنا العظيم، وتلهج به الناس إن أرادت امتداح شخص بالكرم الفيّاض حيث يُستدعى اسم حاتم الطائي فيُقال فلان حاتم أو حاتمي الجود أو كأنه الطائي ولعل من أكثر الشعر تَسْيارا قول المعري مستعرِضا المفارقات الكبرى التي تصطدم بالعقليات والمسلَّمات موردا ضِمنها الرمزية التي يمثلها حاتم والمكانة التي يتبوّؤها عند المقارنة بمَن ارتبط اسمه بغير القيم التي أحاطت حاتما بهالة من العلياء فسيحة الأرجاء، فكم تتردد هذه الأبيات في التمثل والإلقاء:

إذا وصَفَ الطائيَّ بالبخل مادِرٌ .. وعَيَّرَ قُسَّا بالفهاهة باقلُ

وقال السُّهي للشمس أنت خفيَّة .. وقال الدُّجي للصبح لونُكَ حائل

وطاولت الأرضُ السماءَ سفاهة .. وفاخرتْ الشُهْبَ الحصى والجنادلُ

يقدم الزركلي في تراجمه للأعلام البطاقة الشخصية لحاتم بالقول: "حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، أبو عَدِىّ: فارس، شاعر، جواد، جاهلي، يضرب المثل بجوده،.. وأرخوا وفاته في السنة الثامنة بعد مولد النبي صلّى الله عليه وسلم".

لقد شكلت النموذجيةُ التي يمثلها حاتم في الجود بحيث يضرب المثل بجوده بوابتَه التي انساح عبرها هذا الصيت العظيم في الزمان، وذلك لتحقيقه الرقم القياسي إذا ما اختبر الناس استعدادهم للإيثار وبذلِ ذات اليد وإيصالِ النفع  إلى بني الأنَام.

فقد امتلك حاتم بين جنبيه نفسا أريحية للمكرمات والعطاء تهتزّ للندى ويطرب ضميرها إذا ما جعلته الأوقات على موعد مع دواعي البذل والمنْح والجُود، كما يبدو أن حاتما ارتضع ذاك لِبانا إذ نشأ في أكناف بيت؛ به للكرم نغَم لا يكفّ ودندنة حفِظت الأيام صداها فقدر رُوي عن أمِّه أنها "كانت ذات يسر وسخاء حجز عليها إخوتها ومنعوها مالها خوفا من التبذير" فسَرى ذلك إليه بأرفع مستوى بين نظرائه من ذوي المروآت، فكان في البيت والنشأة الأولى إعداد له تهيئة لهذا السبيل، كما أن مسألة الرمزية عموما حالفت قبيلته طيء في عدد من الجوانب على وفق ما يوضحه المؤرخون.

وكان أن رَست إحدى معاني تلك الرمزية عند حاتم وكان مِثالَها المصدّر من قبل طيء للعالمين فيروي لنا ابن خلكان قائلا "وقال العلماء خرج من قبيلة طيء 3 كل واحد مجيد في بابه حاتم الطائي في جوده وداود بن نصير الطائي في زهده وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره"، والمعروف أن هذا الصيت أيضا استعصى على البقاء في دائرة مصغرة فكان منتشرا في النطاق العربي بمعناه العام، وهنا نعثر على مثل هذا القول عند الحموي في ورقاته "أجواد الجاهلية الذين انتهى إليهم الجود 3 نفر حاتم بن عدي الطائي وهرم بن سنان المازني وكعب بن مامة الإيادي ولكن المضروب به المثل حاتم وحده".

ويحسن بنا أن نجول قليلا في فضاء الكرم الحاتمي واقفين على صور وجوانب تقدم لنا الخلفية التي أسست لهذا الانطباع الذي حجزته في الأذهان للإنسان المِعطاء..لحاتم الطائي الذي يروى أنه "كان إذا اشتد البرد وكلب (أي اشتدّ) الشتاء أوقد نارا في بقاع الأرض لينظر إليها المارُّ ليلا فيبادر إليها وهو القائل لغلامه يسار:

أوقد فإن الليل ليلٌ قرّ .. والريح يا موقد ريحٌ صرُّ

حتى يرى نارك من يمرّ .. إن جلبت ضيفاً فأنت حرُّ

لقد كانت مسألة الجود عند حاتم عبارة عن استعداد داخلي جارف من أجل منْح العون والمساعدة، والتخلّي عما يملكه، تحقيقا لمصلحة الآخرين، الأمر الذي يصِل بحاتم إلى درجة أن يفدي بنفسه الآخرين، غير مقتصر بالكرم على بذل الدراهم والدنانير، وإنما يتعدى مفهوم الكرم عنده إلى أبعد من ذلك ليشمل أصعب درجات التضحية، حيث نجد في المرويات أن حاتما مر "في مسير له ببني عَنَزَةَ وفيهم أسير، فاستغاث به، فقال له حاتم: لقد أسأتَ إليَّ حيث نَوَّهْتَ باسمي، وليس معي ما يفديك، ولستُ ببلاد قومي، ولكن طِب نَفْسًا، وجاء إلى الذي أسره فاشتراه منه بمئة ناقة، وفكّ القيد من رجليه وجعله في رجل نفسه، وقال: اذهب إلى أهلي، وأعطاه أمارة إليهم بالتسليم، ومضى الرجل، وأقام حاتم في قيوده حتى عاد الرجل بالإبل، وأطلق حاتم".

ولمّا عظُم صدى الكرم الحاتمي وسارت به الركبان، سِمعت الأمم الأخرى عن هذا الجُود العربي المنسكب دفّاقا، فمما تنقله المصادر أن "أحد قياصرة الروم بلغته أخبار حاتم فاستغرب ذلك، وكان قد بلغه أن لحاتم فرسًا من كرام الخيل عزيزة عنده" فبعث إلى حاتم يطلب منه الفرس هديةً إليه وهو يريد أن يمتحن سماحته بذلك، "فلما دخل الحاجب ديار طيء سأل عن أبيات حاتم حتى دخل عليه، فاستقبله ورحب به وهو لا يعلم أنه حاجب الملك"، ومما ترويه المصادر أن المواشي كانت حينئذ في المراعي فلم يجد إليها سبيلًا لقرى ضيفه فنحر الفرس وأضرم النار، ثم دخل إلى ضيفه يحادثه فأعلمه أنه رسول قيصر، وقد حضر يستميح الفرس، فساء ذلك حاتمًا "وقال: هلَّا أعملتني قبل الآن فإني قد نحرتها لك إذ لم أجد جزورًا غيرها بين يدي، فعجب الرسول من سخائه وقال: والله لقد رأينا منك أكثر مما سمعنا".

بلْ إن محلَّ إقامة حاتم كان ديوانا للكرم والعطاء فقد قال ابن الأعرابيّ "كان حاتم من شعراء الجاهليّة، وكان جوادا يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيث ما نزل عرفت منزلته بحومان الطّير على منازله، لكثرة خيره وذبائحه، وكان ممّن يأتيه من الشعراء الحطيئة وبشر بن أبي خازم" في مشهد أسّس لما قالته العرب ورواه الطبري في التفسير "وَقَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى السَّخَاءِ فَانْظُرْ إِلَى هَرِمٍ أَوْ إِلَى حَاتِمٍ".

شعَّ نور الإسلام فمنح الفضائل العربية مداها وتوّجها خير تتويج ومن نماذج طبيعة الرؤية التي مُنحت لهذه الفضائل في الإسلام ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت بنت حاتم "إنّ أبي كان سيّد قومه؛ كان يفكّ العاني ويحمي الديار ويفرّج عن المكروب ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يطلب إليه أحد قطّ حاجة إلا قضاها. أنا ابنة حاتم الطائيّ" حيث قال صلى الله عليه وسلّم في ما روي "خلّوا عنها، فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق".

ولقد تلاقت هذه النزعة النفسية ـ التي يترجمها عملا فعليا، وخِلالا ممجّدة ـ مع تنظير وفلسفة أخلاقية منطبقة تماما على السلوك الذي انتهجه، فكما طبق أخلاق السخاء كان أحد المنظّرين البارزين لها وبذلك جمع بين شَقّي التنظير والتطبيق ولعل الجميع بينهما ليس مما يطرد دائما بالضرورة، حيث إن المدونة الشعرية لحاتم الطائي الذي يعد أحد العرب المعروفين، تطفح بتلك الإلماعات التي وجّه بها في هذا المجال ومنها:

فَلَا الْجُودُ يُفْنِي الْمَالَ قَبْلَ فَنَائِهِ .. وَلَا الْبُخْلُ فِي مَالِ الشَّحِيحِ يَزِيدُ

فَلَا تَلْتَمِسْ مَالًا بِعَيْشٍ مُقَتَّرٍ .. لِكُلِّ غَدٍ رِزْقٌ يَعُودُ جَدِيدُ

كما يقول ذات وَجد سخائي آخر:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ .. وَأَنَّ الَّذِي يُعْطِيكَ غَيْرُ بَعِيدِ

ولمّا اقتسم الناس أموالا له ذات مرة، َ"خَرَجَتْ إِلَى حَاتِمٍ طَرِيفَةُ جَارِيَتُهُ فَقَالَتْ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَبْقِ عَلَى نَفْسِكَ فَمَا يَدَعُ هَؤُلَاءِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا" فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

قَالَتْ طُرَيْفَةُ مَا تَبْقَى دَرَاهِمُنَا .. وَمَا بِنَا سَرَفٌ فِيهَا وَلَا خَرَقُ

إِنْ يَفْنَ مَا عِنْدَنَا فَاللَّهُ يَرْزُقُنَا .. مِمَّنْ سِوَانَا وَلَسْنَا نَحْنُ نَرْتَزِقُ

مَا يَأْلَفُ الدِّرْهَمُ الْمضروب صرّتَنَا .. لكنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْطَلِقُ

إِنَّا إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا دَرَاهِمُنَا .. ظَلَّتْ إِلَى سُبُلِ الْمَعْرُوفِ تَسْتَبِقُ

ولخّص وفسّر حالته، وغلَبةَ الجود على طبيعته، حين قال:

إذا كان بعض المال ربا لأهله .. فإني بحمد الله مالي معَبَّد

ولئن كان حاتم قد جاد بأمواله وعطاياه، خلال سنين حياته، فقد ظلت الدنيا تجود له بصِيت عظيم مستمر عبر القرون.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.