شعار قسم مدونات

أميركا وإسرائيل عدوّتان لإيران.. حقيقة لا وهما

G20 summit in Rome
في واقع الأمر، يسمح الأميركان لإيران بالتمدد، بل يغضون الطرف عن نشرها للتشيع حتى في دول أفريقية بعيدة عنها (رويترز)

هناك تحليل متداول منذ زمن، يجد له صدى وهوى تارة، ويتراجع تارة أخرى، يقول بأن أميركا (وبالتالي إسرائيل) لا عداوة حقيقية بينها وبين النظام الإيراني الذي قام على أنقاض نظام الشاه عام 1979.

وأن التهديدات والمناكفات بين الطرفين ليست سوى ذر للرماد في العيون، وأنه يوجد اتفاق سرّي بين واشنطن وطهران على تقاسم (الغنائم) وعلى إعطاء إيران نفوذا في المنطقة، في حين تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل (بالتظاهر) بالعداء واستمرار التهديدات الإعلامية ضد إيران، وتخويف الدول العربية خاصة الخليجية من النظام الإيراني وأطماعه التي لا تعرف التوقف، مما يزيد من ارتماء هذه الأنظمة في حضن الأميركان، بل مؤخرا ارتمت في أحضان الصهاينة عبر هرولة "تطبيعية" غير مسبوقة.

أصحاب هذا التحليل أغلبيتهم ممن حلموا بوطن عربي موحّد من المحيط إلى الخليج -خميرة أو ركيزة وحدته هي القومية العربية واللغة فقط- وأشبعوا الشعوب شعارات لم تجد لها ترجمة في بقاع أرض العرب، حتى عندما وصل بعضهم إلى الحكم.

ويكفي أن نضرب مثلا حيا وهو أن حزب البعث انقسم إلى قسمين أو جناحين (سوري وعراقي) وقف الأول مع إيران والخميني في حربها على الثاني العراقي، الذي اعتبر حربه بمثابة "قادسية" جديدة يقف فيها العرب -بقيادة البعث العراقي- في وجه المدّ الفارسي.

بل حتى مؤسس الحزب ميشيل عفلق -الذي بني له نُصب أو ضريح أو مزار في بغداد البعثية- كان رأسه مطلوبا من دمشق البعثية!

فلا شيء اسمه وحدة عربية على أساس قومي بإهمال العامل أو الأمر الوحيد الذي وحّد العرب وجمع شتاتهم وأخرجهم من حالات البداوة والصراع إلى أصحاب رسالة ودعوة ومدنية وحضارة، أي الإسلام. وهذا ما يرفض الحالمون التسليم به، بل بينهم وبين الإسلام جفاء في مواقف كثيرة.

ولكن بعيدا عن هؤلاء، ثمة من يطرح سؤالا وجيها مفاده، منذ عقود تهدد الولايات المتحدة إيران، وتتوعدها بالويل والثبور، وعظائم الأمور، وحاليا انضمت إسرائيل بقوة إلى هذه التهديدات، ولكنهم فعليا لا ينفذون واحدا في المليون من تلك التهديدات، فلماذا لا نصدق أن هناك تفاهمات تحت الطاولة؟

ويضاف إلى ذلك: في واقع الأمر يسمح الأميركان لإيران بالتمدد، بل يغضون الطرف عن نشرها للتشيع حتى في دول أفريقية بعيدة عنها، وهذا يوحي بأن كل ما يدور هو لإيجاد تخريجة سياسية وإعلامية هي: إيران دولة نووية ونحن نقبل هذا ونتعايش معه.

والعرب يدفعون من مواردهم واستقرارهم وكرامتهم فواتير نزاع وهمي بين إيران وأميركا أو بين إيران وإسرائيل.

الفصل بين مسألتين

إيران لها مشروع قومي أو طائفي (شيعي اثني عشري) وطموح في المنطقة وثرواتها، ورغبة في النفوذ والهيمنة؛ هذا شيء لا ينكره عاقل، بل هو طبيعي وبدهي في عالم يتنافس أهله، ووفق فهم سنة التدافع.

ولكن هذه المسألة -أو الحقيقة أو القراءة- يجب أن تفصّل أو ألا تكون مادة تحليل تفسيري بأن إيران وأميركا تعيشان قصة عشق في السرّ، وتتظاهران بالكراهية والعداوة في العلن.

فمنذ أن انتفض الشعب الإيراني وثار على نظام الشاه (محمد رضا بهلوي) الذي كان فعلا يقوم بدور الشرطي الذي وظفته الولايات المتحدة في الخليج، وقام بدل نظامه -الذي له جذور تمتد قرونا طويلة- نظام "الجمهورية الإسلامية" أو نظام "ولاية الفقيه"، والحرب مستعرة، تشتد أحيانا وتخبو أخرى، وتأخذ شكل الحرب بالوكالة غالبا، ولها شكل مباشر يظل غالبا تحت الأرض أو بعيدا عن أعين الإعلام في أغلب التفصيلات.

أما الحقيقة المؤكدة، فهي أن إيران في عرف النظام الدولي الذي قام على انتصارات القوى الغربية وحلفائها في حروب وصراعات طويلة في العصر الحديث، تعد "دولة مارقة"، وفرضوا عليها حصارا وعقوبات لا يمكن اعتبارها "تمثيليات"!

وإيران -بإعلانها موقفا حاسما يتسم بالحدّة والمفاصلة تجاه "الكيان العبري"- زادت من رصيد العداء لها في المنظومة الغربية، خاصة عند الأميركان، وصمود النظام الإيراني طوال هذه الفترة يعتبر شيئا مثيرا للإعجاب، بغض النظر عن رأينا في هذا النظام، أو تحفظنا على سياسات أو مواقف تصدر عنه.

فأن ترفض سياسات إيرانية معينة أو تتوجس خيفة من توجهات إيران شيء أو مسألة يجب فصلها تماما عن كون إيران بالفعل عدوا حقيقيا للأميركان وعدوا مبينا لإسرائيل.

إيران تخوض حربا سيبرانية شرسة مؤخرا مع إسرائيل، وإسرائيل نفذت عمليات اغتيال ضد علماء إيرانيين في مجال الطاقة النووية، والأهم أن إيران قدمت -وما زالت- دعما لمنظمات وقوى وفصائل وأفراد ضربوا ويضربون إسرائيل ضربات مؤلمة، وإسرائيل لا تجعل أمنها محل حسابات سياسية، أو مشاهد تمثيلية، إطلاقا، وحاليا ربما إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي تتعامل مع إسرائيل بهذه الطريقة.

أكرر وأعيد: هذه حقيقية يجب ألا ينكرها أحد، بسبب رفضه لسياسات إيران، أو حتى لكراهيته لها أو للعرق واللغة الفارسية أو للشيعة برمتهم.

وأيضا هناك من إذا واجهته بهذه الحقائق التي لا ينكرها عاقل قال لك: "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين".

في عالم متداخل ومعقد، لن تخرج سالما، وفق فهمك للسلامة، وقد كابدنا وعانينا تبعات الرغبة الأميركية المحمومة في إعادة إيران إلى "بيت الطاعة" ولا نزال.

وأيضا فإن إيران جزء أصيل لا دخيل من مكونات المنطقة وتاريخها وحضارتها، وليست كيانا مصطنعا يقوم على مجموعات مهاجرين يغتصبون أرضا ليست لهم، ويضطهدون شعبا هو صاحب هذه الأرض ومالكها الحقيقي.

فمهما كان الخلاف مع إيران يجب ألا ننسى هذه الحقائق الواضحة وألا نساوي بينها وبين الكيان الصهيوني، وأعلم أن ساسة وأنظمة -وللأسف معهم طبقة من المثقفين والإعلاميين- يصرحون سرّا وعلانية أن إيران عدوّهم الأول والثاني والعاشر، وأن إسرائيل ليست كذلك… وهؤلاء يغرقون في ضلال مبين، سيفيقون منه -لا شك- ولكن أخشى أن يفيقوا "ولات حين مندم".

التمدد والانتشار الإيراني.. فخ محكم

إن ما يراه بعض العرب هدايا أميركية سخية لإيران، بالسماح لها بالتمدد في المنطقة، ونشر قوات ومليشيات، والتدخل الصارخ في سياسات دول وأنظمة، وتعطيل عمل حكومات، وهز أو تجميد عجلات اقتصاد في دول، وغير ذلك من مظاهر النفوذ والتمدد الإيراني في السنوات الأخيرة، وفعليا بدأ هذا بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في العراق، وازداد في العقد الأخير، خاصة بعد الأزمة السورية.

إن هذا فخ محكم نصبه الأميركان والصهاينة، وسقط فيه النظام الإيراني؛ حتى لو حسب أنه يحقق مكاسب ويسيطر على دول وعواصم عربية.

فأول وأهم خسارة هي تحول غالبية الجمهور العربي إلى بغض وكراهية تجاه إيران، واقتناعهم بأن لها مشروعا قوميا (فارسيا) وطائفيا (شيعيا) يستهدف كينونتهم، وبالتالي هو خطر عليهم قبل كل خطر، لا سيما أنهم -بمن في ذلك مجموعات شيعية- يرون أن إيران تجلب لهم الفقر والبطالة وتراجع الخدمات، حيثما كان لها نفوذ.

وإذا كان النظام الإيراني مثلا يبرر وقوفه مع النظام الطائفي في دمشق، بأنه يتصدى للأميركان ويساند محور المقاومة، فإن جرائم هذا النظام واستئساده على شعبه الذي يقذفه بالبراميل المتفجرة، ويقتاد مئات الألوف منه إلى معتقلات وسجون هي مسالخ بشرية، جعلت الغالبية إما تكذب هذه الحجة، أو تقول: ليحكمنا اليهود الصهاينة فهم أكثر رحمة منكم!

ولا يستهينن أحد بخسارة إيران تأييدا شعبيا حازته في أوساط العرب -رغم الدعاية البعثية العراقية والسلفية الوهابية- وهذا رصيد مهم لأي نظام ثوري، أو جاء إثر ثورة شعبية ضد طاغية، فكيف يصدق الجمهور وقوفكم مع المظلومين والمستضعفين -وهذا من أكثر شعارات إيران في عقود ما بعد الشاه- في حين أنتم تدعمون الطغاة علنا؟

وكيف يصدقون حديثكم عن تقارب أو حتى توحيد السنة مع الشيعة وقد بدا أنكم تستهدفون الأغلبية السنية، وتنالون بألسنتكم وإعلامكم ومناهجكم من رموزها ومقدساتها؟

ولعل هذه الخسارة تظهر بالتشفي الواضح حين تنفذ أميركا أو إسرائيل أي عملية عدوانية ضد إيران وحلفائها، ومع أنني من الذين يحاولون كبح هذا التوجه لاعتقادي الذي لا يتزحزح أن العدو المركزي، وسبب الفتنة هو المشروع الصهيوني، ولكنني أجد نفسي أمام طوفان لا يقبل مجرد النقاش، ويتمنى أن تقوم أميركا أو إسرائيل بهدم إيران وسحق أتباعها، ومجرد التلفظ بالترحم على مقتول بسلاح أميركا أو إسرائيل من المحور الإيراني، يجلب لك الشتم والعداء.

فهل تمدد إيران في صالحها، وهي التي سعت دوما إلى كسب ود الشعوب العربية وتأليبها على حكامها -عدا آل الأسد طبعا-؟ أليس هذا فخا؟!

والأمر الآخر هو استنزاف موارد مالية هائلة -مع الأخذ في الحسبان أن إيران خاضعة أصلا لعقوبات أميركية وغربية ولها ودائع مجمدة بل في حكم المصادرة- من أجل هذا التمدد ومن أجل استمراريته، وهذا ما أوجد أصواتا في الشارع الإيراني، ترفض أن يكون لإيران أي دور في المنطقة، بما في ذلك دعم المقاومة الفلسطينية، وأن الشعب الإيراني، والفقراء منه أولى بالأموال التي تذهب إلى سوريا أو لبنان أو اليمن أو حتى فلسطين، وهذه الأصوات لم تعد نشازا.. ألا يعزز هذا أن التمدد كان فخا لئيما؟!

المكونات الأصيلة يجب أن تتحد

العرب والفرس والكرد والترك وغيرهم هم أهل هذه المنطقة، ومهما كانت الضغائن بينهم، فإنهم عبر قرون طويلة عمروا هذه المنطقة، وأسهموا في تاريخها وحضارتها، والأصل أن يتحدوا في وجه من هو عدو مبين لهم، قام كيانه على تجميع شذاذ الآفاق في بقعة مقدسة من ديارهم.

وهو يناصبهم العداء جميعا، نعم إسرائيل عدو لإيران حقيقة لا تمثيلا، وعدو للعرب جميعا، وتسعى إلى استعبادهم وإخضاعهم جميعا، عبر أساليب عدة منها ضرب بعضهم ببعض.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.